قلعة صلاح الدين ومسجد محمد علي يهيمن على أفق القاهرة
قلعة 🏆 تراث اليونسكو 4.7/5

قلعة صلاح الدين

القلعة الوسيطية المهيبة التي بناها السلطان صلاح الدين في القرن الثاني عشر، قلب السلطة في مصر طوال سبعة قرون، بإطلالة بانورامية استثنائية على القاهرة.

قلعة صلاح الدين: سبعة قرون من السلطة في قلب القاهرة

قلعة صلاح الدين، المتربّعة على تلّ المقطّم في قلب القاهرة، أحد أهمّ المعالم الإسلامية وأفضلها حفظًا في الشرق الأوسط. وقد خدمت هذه القلعة المهيبة، المبنيّة بين عامي 1176 و1183 على يد السلطان الأسطوري صلاح الدين الأيوبي، المعروف في الغرب باسم Saladin، مقرًّا للحكم المصري طوال نحو سبعمئة عام، من العصر الأيوبي حتى القرن التاسع عشر، حين نقل الخديوي إسماعيل المقرّ الملكي إلى قصر عابدين.

والقلعة، المدرَجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو جزءًا من القاهرة التاريخية، تهيمن على أفق المدينة بأسوارها المنيعة وبقباب مسجد محمد علي ومآذنه، مقدّمة للزوّار إطلالة بانورامية لا تُضاهى على العاصمة بأكملها، وفي الأيام الصافية حتى أهرامات الجيزة في الأفق.

تاريخ القلعة

رؤية صلاح الدين

صُمِّم بناء القلعة على يد صلاح الدين جزءًا من مشروع طموح للدفاع العسكري عن القاهرة. فبعد أن أطاح بالدولة الفاطمية عام 1171 وأسّس الدولة الأيوبية، أدرك صلاح الدين الحاجة إلى قلعة منيعة تحمي المدينة من التهديدات الخارجية، خصوصًا الحملات الصليبية الأوروبية التي كانت قد أدّت إلى تأسيس دول مسيحية في الأرض المقدّسة.

وقد قدّم الموقع المختار، تلّ المقطّم، موضعًا استراتيجيًّا مثاليًّا: مرتفعًا طبيعيًّا يهيمن على القاهرة الفاطمية وعلى الفسطاط الأقدم معًا، بإطلالة 360 درجة تتيح رصد أي تقدّم معادٍ من مسافة بعيدة. كما أمر صلاح الدين ببناء سور يربط القلعة بالمدينة، مكوّنًا منظومة دفاعية متكاملة.

وأدار الأعمال الأمير بهاء الدين قراقوش، واستُعين فيها جزئيًّا بعمل أسرى صليبيين أُسروا في معركة حطّين عام 1187. واستُخرج الحجر الجيري للأسوار من التلال المحيطة، فيما حُفر الخندق في الصخر الحيّ. والطريف أن صلاح الدين لم يسكن القلعة المكتملة قطّ، إذ توفّي في دمشق عام 1193 قبل انتهاء الأعمال.

العصر المملوكي

في عهد سلاطين المماليك، الذين حكموا مصر من 1250 إلى 1517، بلغت القلعة أوج ازدهارها المعماري والسياسي. وكان السلطان الناصر محمد بن قلاوون (1293-1341، بانقطاعات) أعظم بنّائي المماليك، فأقام داخل الأسوار مسجدًا ضخمًا وقصورًا وحمّامات وحدائق وقاعة المظالم الشهيرة المعروفة بالإيوان.

ومسجد الناصر محمد، الذي ما زال ظاهرًا اليوم بمآذنه المكسوّة بالخزف، بُني بين 1318 و1335، وهو تحفة من العمارة المملوكية. وتروي تيجانه، الآتية من عصور وأماكن مختلفة، عادة المماليك في إعادة استخدام عناصر معمارية من مبانٍ سابقة، بما في ذلك شظايا من العصرين الفرعوني والصليبي.

العصر العثماني ومحمد علي

شكّل الفتح العثماني لمصر عام 1517 مرحلة جديدة في تاريخ القلعة. وأدخل الولاة العثمانيون تعديلات وإضافات على البنية، لكن محمد علي باشا، والي مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر، هو من حوّل وجه القلعة جذريًّا. فقد هدم محمد علي كثيرًا من المنشآت المملوكية لإفساح المجال لمسجده الفخم، الذي يهيمن اليوم على القلعة بأكملها وعلى أفق القاهرة.

ومن أكثر الحوادث دموية في تاريخ القلعة مذبحة المماليك عام 1811، حين دعا محمد علي نحو 470 من زعماء المماليك إلى مأدبة داخل الأسوار وأمر بقتلهم جميعًا، مرسّخًا بذلك سلطته المطلقة على مصر. ويُروى أن مملوكًا واحدًا نجا، وفق الأسطورة، بأن ألقى بنفسه وفرسه من فوق الأسوار.

ماذا تشاهد في القلعة

مسجد محمد علي

أكثر معالم القلعة هيبةً بلا شكّ مسجد محمد علي، الموصوف بالتفصيل في صفحته المخصّصة. وقبابه الفضّية ومآذنه الشاهقة ظاهرة من كل نقطة في القاهرة تقريبًا، وتمثّل أكثر صور القلعة أيقونية.

مسجد الناصر محمد

المبني بين 1318 و1335، هذا المسجد أحد الأمثلة النادرة الباقية للعمارة المملوكية داخل القلعة. ومئذنتاه، الفريدتان شكلًا وزخرفة، تعرضان كسوة من الخزف المتعدّد الألوان بتأثير فارسي. والداخل، فناء كبير محاط بأروقة ذات أعمدة من مبانٍ من عصور مختلفة، يقدّم أجواءً هادئة تأمّلية.

المتحف الحربي القومي

المُقام في قصر الحريم السابق لمحمد علي، يروي المتحف الحربي القومي تاريخ القوات المسلّحة المصرية من العصر الفرعوني إلى النزاعات الحديثة. وتعرض القاعات أسلحة وأزياء وخرائط ولوحات ومجسّمات تصوّر أبرز المعارك. ومن أكثر ما يثير الاهتمام القسم المخصّص للحروب العربية الإسرائيلية وحرب أكتوبر 1973.

متحف الشرطة

يقع في المنطقة الشمالية من القلعة، يروي هذا المتحف الصغير تاريخ قوات الشرطة المصرية ويعرض مجموعة طريفة من الجرائم الشهيرة في تاريخ البلاد. ويضمّ أيضًا قسمًا مخصّصًا للاغتيالات السياسية وأبرز العمليات الأمنية.

متحف المركبات الملكية

مجموعة من العربات والمركبات والأطقم التي امتلكتها الأسرة الملكية المصرية من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين. وبعض العربات، المزيّنة بسخاء بالذهب والمخمل، تشهد على بهاء البلاط الخديوي والملكي.

بئر يوسف

من عجائب الهندسة في القلعة بئر يوسف، المحفور في الصخر إلى عمق نحو 87 مترًا لضمان إمداد القلعة بالمياه في حال الحصار. ويتألّف البئر من قسمين متراكبين، بمنحدر حلزوني كان يتيح للحمير النزول حتى مستوى الماء لتشغيل النواعير. وكان بناء البئر إنجازًا هندسيًّا لافتًا لعصره، يشهد على رقيّ بنّائي العصور الوسطى التقني.

الأسوار والأبراج

العمارة الدفاعية

تمتدّ أسوار القلعة نحو كيلومترين وتتخلّلها أبراج نصف دائرية ومربّعة كانت تعزّز دفاعها. وسماكة الأسوار، التي تتجاوز في بعض المواضع ثلاثة أمتار، وارتفاع الأبراج، جعلا القلعة منيعة عمليًّا أمام التقنيات العسكرية لذلك العصر. وتعرض الأسوار مزاغل للرماة ومنصّات لآلات الحصار.

وكانت القلعة مقسّمة إلى حرمين رئيسين: الحرم الجنوبي، الذي ضمّ مقرّ السلطان والمنشآت الإدارية، والحرم الشمالي، المخصّص للجنود والمهامّ العسكرية. وعكس هذا التقسيم الطبيعة المزدوجة للقلعة مقرًّا للسلطة السياسية ومنشأة عسكرية.

البوّابات الضخمة

يتمّ الدخول إلى القلعة عبر عدّة بوّابات ضخمة، أكثرها إبهارًا باب العزب، بوّابة من القرن الثامن عشر مزيّنة بعناصر معمارية مملوكية. وباب المدرّج هو المدخل الرئيس الحالي، ويؤدّي إلى الحرم الجنوبي عبر منحدر مرصوف.

الإطلالة البانورامية

أحد أهمّ أسباب زيارة القلعة الإطلالة البانورامية الاستثنائية التي تقدّمها على القاهرة. فمن شرفة مسجد محمد علي ومن أسوار القلعة، يجوب البصر بانوراما 360 درجة تحتضن النسيج الحضري للمدينة بأكمله: قباب القاهرة الإسلامية ومآذنها، وأبراج المركز المالي الحديثة، وشريط النيل الأخضر العابر للعاصمة، وفي الأيام الأكثر صفاءً ظلال أهرامات الجيزة في الأفق الغربي.

والغروب أكثر اللحظات سحرًا للتمتّع بهذه الإطلالة، حين يضيء الضوء الذهبي مآذن القاهرة الألف ويتردّد الأذان في آنٍ واحد من مئات المساجد، خالقًا أجواءً سمعية وبصرية لا تُنسى.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

تقع القلعة في الحيّ الإسلامي بالقاهرة، ويمكن الوصول إليها بسيارة أجرة أو بخدمات النقل التشاركي. ولا توجد محطة مترو في الجوار المباشر، لكن أقرب محطة هي السيّدة زينب (الخطّ 1)، ومنها يمكن المتابعة بسيارة أجرة. ويُنصح بدمج زيارة القلعة باستكشاف الحيّ الإسلامي المحيط.

التذاكر والدخول

تشمل تذكرة دخول القلعة الوصول إلى جميع المعالم والمتاحف داخلها. ومسار الزيارة جيّد التوجيه، ويُنصح بالبدء من مسجد محمد علي، ثم المتابعة نحو مسجد الناصر محمد والمتاحف. وتتطلّب الزيارة الكاملة نحو ثلاث إلى أربع ساعات.

اللباس والسلوك

بما أنه موقع يضمّ أماكن عبادة عاملة، يُطلب لباس محتشم: تغطية الكتفين والركبتين للجنسين. وعند مدخل المساجد يلزم خلع الأحذية. واحمل معك جوارب للمشي بأريحية على الأرضيات الرخامية.

اللحظة المثالية

أواخر بعد الظهر أفضل وقت لزيارة القلعة، إذ يجمع ضوءًا جيّدًا للتصوير ودرجات حرارة أكثر احتمالًا. والوصول قبل الغروب بنحو ساعة يتيح استكشاف المنشآت الرئيسة ثم الاستمتاع بمشهد الشمس وهي تغرب على المدينة من الشرفة البانورامية.

قلعة صلاح الدين ليست معلمًا تاريخيًّا فحسب، بل مكان حيّ يروي التراكب المعقّد للتاريخ المصري، من العصر الوسيط إلى القرن التاسع عشر، مقدّمًا للزائر تجربة ثقافية عميقة لا تُنسى بصريًّا في قلب القاهرة النابض.

معالم ذات صلة

Contattaci su WhatsApp