تمثال أبو الهول بالجيزة والأهرامات في الخلفية
تمثال 🏆 تراث اليونسكو 4.8/5

تمثال أبو الهول بالجيزة

أقدم منحوتة ضخمة في العالم، بجسد أسد ورأس إنسان، يحرس أهرامات الجيزة منذ أكثر من 4500 عام.

أبو الهول بالجيزة: حارس الصحراء الأبدي

تمثال أبو الهول بالجيزة هو أقدم وأكبر منحوتة ضخمة في العالم المعروف. وبطوله البالغ 73 مترًا وارتفاعه 20 مترًا وعرضه 19 مترًا، يحرس هذا الكائن الحجري الهائل — بجسد أسد ورأس إنسان — هضبة الجيزة في صمت منذ أكثر من 4500 عام. وقد ألهمت نظرته الغامضة، المتجهة شرقًا نحو الشمس المشرقة، الدهشة والتبجيل وتكهنات لا حصر لها منذ فجر التاريخ وحتى أيامنا هذه.

نُحت أبو الهول مباشرةً في نتوء صخري جيري طبيعي، فلم يُبنَ كتلةً كتلة كالأهرامات، بل نُحت في صخر الهضبة الحي، في إنجاز هندسي ونحتي لم يسبق له مثيل في العالم القديم. واسمه المصري الأصلي مجهول: فقد كان المصريون القدماء يسمّونه على الأرجح «حور-إم-آخت» (حورس في الأفق)، بينما أطلق عليه الإغريق بعد قرون اسم «Sphinx»، رابطين إياه بالمخلوق الأسطوري في تقاليدهم الخاصة.

التاريخ والأصول

من بنى أبو الهول؟

هوية الآمر ببناء أبي الهول واحدة من أكثر المسائل إثارة للجدل في علم المصريات. والنظرية السائدة، التي يؤيدها معظم الباحثين، تنسب صنعه إلى الفرعون خفرع من الأسرة الرابعة، الذي حكم نحو 2558-2532 قبل الميلاد. وتستند هذه النسبة إلى عدة عناصر متطابقة: موقع أبي الهول داخل المجمّع الجنائزي لخفرع، وقربه من معبد الوادي الخاص به، والتشابه بين وجه أبي الهول والتماثيل المعروفة للفرعون.

غير أن أقلية من علماء المصريات اقترحوا نسبًا بديلة. فبعضهم يرى أن أبا الهول أمر ببنائه خوفو، باني الهرم الأكبر، استنادًا إلى تفسير مثير للجدل للوحة الجرد، وهي نص متأخر يذكر أبا الهول في ارتباط بخوفو. وآخرون اقترحوا تأريخًا أقدم بكثير، استنادًا إلى علامات التعرية المائية على جدران الحوض المحيط، لكن هذه النظريات تظل أقلية وموضع جدل شديد في الأوساط الأكاديمية.

تقنية الإنجاز

نُحت أبو الهول باستغلال نتوء من الصخر الجيري كان يبرز طبيعيًا في هضبة الجيزة. وبدأ البناؤون بحفر خندق كبير على شكل حرف U حول النتوء الصخري، فأبرزوا هيئة جسد الأسد. والصخر المستخرج من الخندق استُخدم على الأرجح في بناء المعابد المجاورة لأبي الهول، في مثال على الاقتصاد البارع في استخدام المواد.

صخر هضبة الجيزة مكوّن من عدة طبقات جيولوجية متفاوتة الصلابة، ما يفسّر التدهور غير المتجانس للمنحوتة على مرّ آلاف السنين. ورأس أبي الهول منحوت في طبقة من الحجر الجيري الأكثر صلابة وتماسكًا، ولهذا حُفظ أفضل من الجسد المكوّن من طبقات أكثر ليونة وهشاشة وأكثر عرضة للتعرية.

ولحماية السطح وإكماله، كُسيت أجزاء من أبي الهول بكتل جيرية إضافية، خاصة على امتداد الجسد والقوائم. وهذه الكسوة، التي فُقدت تدريجيًا على مرّ القرون، كانت موضوع عمليات ترميم عديدة في عصور مختلفة، من مصر القديمة حتى يومنا هذا.

الوصف والأيقونوغرافيا

تشريح أبي الهول

يقدّم أبو الهول جسد أسد رابض — رمز القوة والسلطة الملكية — بقائمتين أماميتين ممدودتين إلى الأمام وذيل ملتفّ على امتداد الجنب الأيمن. والرأس رأس رجل يرتدي النمس، غطاء الرأس المخطّط المميّز لفراعنة مصر، مع صلّ (الكوبرا المقدسة) على الجبهة، متآكل اليوم بالكامل تقريبًا.

ويحتفظ وجه أبي الهول، رغم الأضرار التي لحقت به على مرّ آلاف السنين، بملامح ملكية هادئة. ونسب الرأس أصغر بكثير من نسب الجسد، وهو شذوذ دفع بعض الباحثين إلى افتراض أن الرأس أُعيد نحته في عصر لاحق، فقُلّصت أبعاده الأصلية. وهذه النظرية، رغم جاذبيتها، ليست مقبولة على نطاق واسع.

لغز الأنف المفقود

من أكثر الأسئلة شيوعًا حول أبي الهول سؤال عن أنفه المفقود. ويُلقي الاعتقاد الشائع المسؤولية على قوات نابليون بونابرت، التي يُزعم أنها استخدمت أبا الهول هدفًا للمدفعية أثناء حملة مصر عام 1798. غير أن هذه القصة خاطئة: فالرسوم والأوصاف السابقة للحملة النابليونية تُظهر بوضوح أن الأنف كان مفقودًا بالفعل.

والتفسير الأكثر اعتمادًا في التأريخ الحديث يعود إلى فعل محمد صائم الدهر، وهو صوفي من القرن الرابع عشر، الذي، بحسب المؤرخ المقريزي، شوّه أنف أبي الهول عمدًا احتجاجًا على ممارسات عبادة الأوثان لدى الفلاحين المصريين الذين كانوا يقدّمون القرابين للتمثال لنيل محاصيل جيدة. وقد أُعدم الدهر لاحقًا جزاءً على هذا التخريب.

وثمة احتمال آخر بأن الأنف تدهور طبيعيًا على مرّ آلاف السنين بفعل التعرية والعوامل الجوية والهشاشة المتأصلة في الصخر الجيري عند تلك النقطة بالذات. غير أن آثار أسافين حجرية وُجدت في الأنف توحي بفعل إزالة متعمد، ما يؤكد فرضية التخريب المقصود.

النمس والصلّ

النمس، غطاء الرأس المخطّط الذي يرتديه أبو الهول، واحد من أكثر رموز الملكية المصرية قابلية للتعرّف. وهذا القماش، المخطّط عادةً بالأزرق والذهبي، كان يتدلّى على جانبي الوجه ويشكّل ذيلًا عريضًا عند القفا. وكان على جبهة أبي الهول في الأصل صلّ، الكوبرا المقدسة حامية الملكية، ولم يبقَ منه اليوم سوى التجويف في الصخر. وتؤكد هذه العناصر الأيقونية أن أبا الهول كان يمثّل فرعونًا مؤلّهًا، على الأرجح في تماهيه مع الإله الشمسي حورس.

لوحة الحلم

أسطورة الأمير تحتمس

بين القائمتين الأماميتين لأبي الهول تنتصب لوحة الحلم الشهيرة (أو لوحة تحتمس الرابع)، وهي لوح من الجرانيت الوردي يبلغ ارتفاعه نحو 3.6 أمتار، أقامها نحو عام 1401 قبل الميلاد الفرعون تحتمس الرابع من الأسرة الثامنة عشرة. ويروي النقش على اللوحة حدثًا محوريًا في تاريخ أبي الهول والملكية المصرية.

وفقًا للرواية، نام الأمير الشاب تحتمس، بعد رحلة صيد في الصحراء، في ظلّ أبي الهول، الذي كان حينئذٍ مدفونًا حتى الكتفين برمال الصحراء. وفي المنام، ظهر له أبو الهول في هيئة الإله حور-إم-آخت-خبري-رع-آتوم ووعده بعرش مصر إن حرّر جسده من الرمال التي كانت تخنقه.

وفّى الأمير بوعده، وأمر بتخليص أبي الهول من الرمال، وبحسب الأسطورة صار فعلًا فرعونًا باسم تحتمس الرابع. وأُقيمت لوحة الحلم لإحياء ذكرى هذا الحدث ولإضفاء الشرعية على حقه في العرش، وهو أمر بالغ الأهمية لأن تحتمس لم يكن البكر لسلفه.

الدلالة التاريخية للوحة

إلى جانب مضمونها السردي، لوحة الحلم وثيقة تاريخية بالغة الأهمية. فهي تثبت أنه بحلول عام 1400 قبل الميلاد — أي بعد أكثر من ألف عام من بنائه — كان أبو الهول مدفونًا نصفه بالرمال ويتطلّب أعمال صيانة. كما تؤكد أن أبا الهول كان يُعبَد في الدولة الحديثة بوصفه تجلّيًا للإله الشمسي، وهي عبادة استمرت قرونًا.

ويتضمّن النقش أيضًا إشارة مقروءة جزئيًا يفسّرها كثير من الباحثين بأنها «خاف...»، وربما تكون إشارة إلى خفرع باعتباره باني أبي الهول. ورغم أن هذه القراءة موضع جدل، فإنها تمثّل واحدة من أهم القرائن على نسبة أبي الهول إلى خفرع.

الترميمات والحفاظ

الترميمات في العصور القديمة

تطلّب أبو الهول أعمال ترميم منذ العصور القديمة. فإلى جانب ترميم تحتمس الرابع الموصوف في لوحة الحلم، أضاف الأباطرة الرومان كتلًا جيرية إلى القوائم والصدر لتعويض التعرية. وفي العصر الروماني، كان أبو الهول موضع حج وعبادة مهمًا، وعُثر على مذابح ولوحات نذرية في المناطق المحيطة.

الترميمات الحديثة

في القرنين العشرين والحادي والعشرين، كان أبو الهول موضوع حملات ترميم عديدة لم تكن دائمًا موفّقة. ففي ثمانينيات القرن العشرين، تسبّبت محاولة ترميم بالأسمنت الحديث في ضرر أكبر من النفع، إذ كان الأسمنت يحبس الرطوبة في الصخر فيسرّع تدهوره. أما الترميمات اللاحقة، التي أُجريت بتقنيات أكثر احترامًا للمادة الأصلية، فاستخدمت كتلًا جيرية مماثلة لتلك التي يتكوّن منها أبو الهول، مدمجةً إياها بأساليب تقليدية.

واليوم يخضع أبو الهول لرقابة دائمة من فريق من المرمّمين المصريين الذين يتدخّلون للحدّ من الأضرار الناجمة عن التعرية الريحية، والتلوث الجوي الناتج عن قرب القاهرة، وارتفاع منسوب المياه الجوفية الذي ينقل الأملاح المعدنية إلى الصخر فيسبّب تفتته.

التهديدات المعاصرة

التهديدات الرئيسية لحفظ أبي الهول اليوم بيئية الطابع. فالتلوث الجوي الناتج عن مدينة القاهرة الكبرى، بملايين سياراتها ومصانعها، يسرّع التعرية الكيميائية للصخر الجيري. وارتفاع منسوب المياه الجوفية، الناجم عن الري الزراعي والتوسع العمراني، ينقل الرطوبة والأملاح إلى قاعدة أبي الهول. كما تمثّل السياحة الجماعية تحديًا، بما تحدثه المركبات الثقيلة من اهتزازات وما يخلّفه ثاني أكسيد الكربون الذي يزفره ملايين الزوار سنويًا من آثار.

الألغاز غير المحلولة

الحجرات السرية

منذ قرون تتداول أساطير عن وجود حجرات سرية تحت أبي الهول أو داخله. ففي عام 1991، أجرى الجيولوجي روبرت شوخ والباحث جون أنتوني ويست دراسات زلزالية أوحت بوجود تجاويف تحت أبي الهول. وحدّد مسح لاحق أجرته جامعة القاهرة بالرادار الأرضي شذوذات تحت القائمتين الأماميتين وعلى جانبي الجسد، تتوافق مع وجود أنفاق أو حجرات.

وفي عام 1998، استكشف زاهي حواس، مدير المجلس الأعلى للآثار آنذاك، نفقًا صغيرًا خلف رأس أبي الهول وآخر تحت الجسد، فوجدهما كليهما طبيعيي المنشأ أو نتيجة استكشافات سابقة. ومع ذلك تظل المسألة مفتوحة وتواصل تغذية البحث العلمي والتكهنات الأكثر خيالًا على حد سواء.

نظرية التعرية المائية

من أكثر النظريات إثارة للجدل حول أبي الهول تلك التي طرحها روبرت شوخ في التسعينيات، والتي بمقتضاها تكون علامات التعرية الرأسية على جدران حوض أبي الهول قد نجمت عن أمطار غزيرة، ما يوحي بتأريخ أقدم بكثير من المقبول عمومًا، ربما يعود إلى الألفية الثامنة أو السابعة قبل الميلاد. وهذه النظرية، رغم جاذبيتها، رفضها معظم علماء المصريات الذين يعزون التعرية إلى مزيج من العوامل، منها الرطوبة تحت الأرضية والتعرية الريحية ودورات تبلور الأملاح.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول إلى أبي الهول

يقع أبو الهول في الجزء الشرقي من هضبة الجيزة، عند سفح مجمّع الأهرامات. وأيسر مدخل هو المدخل السفلي قرب قرية نزلة السمان، الذي يؤدّي مباشرة إلى منطقة أبي الهول ومعبد الوادي. وبديلًا عن ذلك، يمكن الوصول إلى أبي الهول من المدخل الرئيسي للهضبة، بقطع المسافة من الأهرامات سيرًا أو بعربة كهربائية.

اللحظة المثالية

أفضل وقت لتأمل أبي الهول هو الصباح الباكر، حين يضيء ضوء الشمس المشرقة وجه التمثال مباشرة — الشمس نفسها التي صُمّم لاستقبالها. وفي تلك الساعة يكون الزحام أقل والضوء مثاليًا للتصوير. وتجنّب ساعات منتصف النهار، حين تكون الشمس في كبد السماء وقد تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية صيفًا.

عرض الصوت والضوء

في كل مساء يصبح أبو الهول بطل عرض الصوت والضوء، حيث تروي إسقاطات ضوئية وسرد درامي تاريخ هضبة الجيزة. والعرض، المتاح بعدة لغات منها الإيطالية، يقدّم تجربة فريدة: فرؤية أبي الهول مضيئًا في ظلمة الصحراء، والأهرامات في الخلفية، ذكرى لا تُنسى.

نصائح عملية

احمل معك كاميرا جيدة بعدسة واسعة الزاوية لالتقاط أبي الهول كاملًا مع الأهرامات في الخلفية. وأكثر نقاط التصوير شهرة تقع قليلًا جنوب شرق أبي الهول، حيث يمكن تأطير جانب التمثال مع هرم خفرع في الخلفية. واحذر الباعة الجائلين و«المرشدين» غير المرخّصين الذين يعرضون اصطحابك إلى نقاط بانورامية مقابل إكراميات: اعتمد على نفسك في التوجّه باتباع اللافتات الرسمية.

حقائق عن أبي الهول

كان أبو الهول في الأصل مطليًا بألوان زاهية: فالوجه كان أحمر على الأرجح، والنمس مخططًا بالأزرق والذهبي، والجسد بلون المغرة. وعُثر على آثار صبغة خلف أذن التمثال وعلى عنقه. ولقرون، ظل أبو الهول مدفونًا بالرمال حتى الكتفين بل حتى العنق: ولم يُخلَّص نهائيًا إلا عام 1936، بعد إحدى عشرة سنة من الحفائر بإشراف عالم الآثار الفرنسي إميل بارايز. أما اللحية الاحتفالية لأبي الهول، الموزّعة اليوم على هيئة شظايا بين المتحف المصري بالقاهرة والمتحف البريطاني بلندن، فأُضيفت على الأرجح في فترة لاحقة للبناء الأصلي.

معالم ذات صلة

Contattaci su WhatsApp