داخل متحف التحنيط بالأقصر مع قطع من مصر القديمة
متحف 4.4/5

متحف التحنيط

المتحف الوحيد في العالم المكرّس بالكامل لفن التحنيط المصري، بأدوات وأوانٍ كانوبية ومومياوات حيوانية ومومياء الكاهن مسحرتا.

متحف التحنيط: رحلة إلى العالم الآخر في مصر القديمة

متحف التحنيط بالأقصر مؤسسة متحفية فريدة في العالم، مكرّسة بالكامل لفن وعلم التحنيط في مصر القديمة. يقع على كورنيش النيل، الطريق البانورامي الممتد على الضفة الشرقية للنيل في قلب الأقصر، ويقدّم المتحف للزائر انغماساً آسراً في أحد أكثر جوانب الحضارة المصرية تميزاً وغموضاً: إعداد الجسد للرحلة إلى العالم الآخر.

افتُتح عام 1997، ويشغل المتحف مبنى أنيقاً شبه أرضي مطلاً على النهر، اختيار تصميمي يستحضر رمزياً العالم السفلي المصري (الدوات)، مملكة الموتى التي يحكمها الإله أوزوريس. تضم المجموعة أدوات تحنيط، ومواد كيميائية مستخدمة في العملية، وأوانٍ كانوبية، وتمائم جنائزية، وتوابيت، وأربطة كتان، ومومياوات بشرية وحيوانية، وقطعاً عديدة أخرى توضح كل مرحلة من الطقس المعقد للتحنيط.

التحنيط في مصر القديمة

أصول الممارسة

للتحنيط المصري أصول قديمة جداً، تعود إلى عصر ما قبل الأسرات (قبل 3100 ق.م)، حين لاحظ المصريون أن الأجساد المدفونة مباشرة في رمال الصحراء تُحفظ طبيعياً بفضل الفعل المجفف للمناخ الجاف. قاد هذا الملاحظة إلى قناعة بأن حفظ الجسد ضروري لبقاء الروح في العالم الآخر، عقيدة صارت أساس الدين الجنائزي المصري.

مع تطور الدفن في مقابر مبنية، توقف الاتصال المباشر للجسد بالرمال، وبدأت الجثث في التحلل. عندئذ طوّر المصريون تقنيات صناعية للحفظ أكثر تطوراً، مُنشئين فناً سيدوم أكثر من ثلاثة آلاف عام، بالغاً الكمال خلال الدولة الحديثة (1550-1070 ق.م).

عملية التحنيط

يوضح المتحف بالتفصيل المراحل المختلفة لعملية التحنيط، طقس كان يدوم نحو سبعين يوماً ويشمل كهنة متخصصين وجراحين وحرفيين. يمكن للزائر متابعة خطوة بخطوة هذا المسار المعقد والآسر.

كانت المرحلة الأولى إزالة الأعضاء الداخلية. كان الدماغ يُستخرج عبر فتحتي الأنف باستخدام خطّاف برونزي، إجراء دقيق يتطلب مهارة كبيرة. أما أعضاء البطن — الكبد والرئتان والمعدة والأمعاء — فكانت تُزال عبر شق على الجانب الأيسر من الجسد وتُحفظ منفصلة في أربع أوانٍ كانوبية، كلٌّ محمي بأحد أبناء حورس الأربعة. القلب، المعتبَر مقر الذكاء والروح، كان يُترك في الجسد، إذ سيحتاجه المتوفى أثناء المحاكمة في العالم الآخر.

بعد ذلك، كان الجسد يُغسل ويُطهَّر ويُغمر في النطرون، ملح طبيعي يوجد في واحات الصحراء الغربية. كان النطرون يعمل كعامل تجفيف قوي، ممتصاً كل الرطوبة من الأنسجة في فترة نحو أربعين يوماً. كانت هذه المرحلة حاسمة لمنع التحلل.

بمجرد جفافه، كان الجسد يُغسل ثانية ويُدهن بزيوت عطرية وراتنجات، ويُملأ بمواد كنشارة الخشب والكتان والرمل لإعادة شكله الطبيعي. كان الجلد يُعالج بمراهم للحفاظ على مرونته، والوجه يُطلى بأصباغ لإعادة مظهر قريب من الحياة قدر الإمكان.

كانت المرحلة الأخيرة هي اللف، عملية طقسية قد تدوم حتى خمسة عشر يوماً. كان الجسد يُلف بمئات الأمتار من أربطة الكتان، تُدرج بينها تمائم واقية في مواضع محددة. كان الكاهن الذي يؤدي الطقس يرتدي قناع الإله أنوبيس، حامي الموتى، ويتلو صيغاً سحرية أثناء كل مرحلة من اللف.

مجموعات المتحف

أدوات ومواد التحنيط

يعرض المتحف مجموعة واسعة من الأدوات المستخدمة في عملية التحنيط: خطاطيف برونزية لاستخراج الدماغ، وسكاكين أوبسيديان للشقوق، وملاعق وسكاكين معجون لتنظيف تجاويف الجسد، وإبر وخيوط للخياطة. تُعرض أيضاً عينات من المواد الكيميائية المستخدمة في العملية، منها النطرون، والراتنجات الطبيعية، وشمع النحل، وزيت الأرز، ومراهم عطرية متنوعة.

تمثل الأواني الكانوبية أحد أكثر الأقسام سحراً. هذه الأوعية، عموماً من الحجر الجيري أو المرمر أو الفخار، لها أغطية مُشكَّلة برؤوس أبناء حورس الأربعة: إمستي (رأس بشري، يحمي الكبد)، حابي (رأس قرد بابون، يحمي الرئتين)، دوا مُوتف (رأس ابن آوى، يحمي المعدة)، قبح سنوف (رأس صقر، يحمي الأمعاء). تتفاوت النماذج المعروضة حسب العصر والطراز والجودة، مُظهرة تطور هذا التقليد عبر القرون.

مومياء مسحرتا

القطعة الأبرز في المتحف هي مومياء مسحرتا، كاهن أكبر لآمون عاش خلال الأسرة الحادية والعشرين (نحو 1000 ق.م). المومياء في حالة حفظ ممتازة وتتيح ملاحظة جودة التحنيط الممارَس خلال هذه الفترة. مسحرتا، ابن الفرعون-الكاهن بينجم الأول، شغل منصباً ذا هيبة هائلة في الهرم الديني الطيبي، والعناية المخصصة لتحنيطه تعكس مكانته الرفيعة.

تُعرض المومياء بأربطتها الأصلية المُزالة جزئياً، مما يتيح للزوار ملاحظة الجلد المحفوظ وملامح الوجه وتقنيات اللف المستخدمة. بجوار المومياء تُعرض التمائم والأشياء الجنائزية التي رافقتها، بما فيها جعارين القلب وتمائم أوزوريس وتماثيل الأوشابتي.

مومياوات الحيوانات

أحد أكثر أقسام المتحف أصالة وسحراً مكرس لمومياوات الحيوانات. كان المصريون القدماء يحنّطون ليس البشر فقط، بل أيضاً أنواعاً حيوانية عديدة معتبَرة مقدسة أو مرتبطة بآلهة محددة. يعرض المتحف مجموعة لافتة من مومياوات الحيوانات توضح اتساع وتنوع هذه الممارسة.

مومياوات القطط من أكثرها شيوعاً وأفضلها حفظاً. كان القط مقدساً للإلهة باستت، وحُنّطت ملايين النماذج عبر القرون كقرابين نذرية في معابدها. يعرض المتحف عدة نماذج، بعضها لا يزال ملفوفاً بأربطته الأصلية بزخارف هندسية متقنة.

مومياء التمساح مثيرة للإعجاب بشكل خاص بأبعادها. كان التمساح مقدساً للإله سوبك، المُبجَّل خاصة في منطقة الفيوم وفي كوم أمبو. النموذج المعروض يُظهر العناية الدقيقة التي كانت هذه الزواحف الكبيرة تُعد بها للأبدية.

مومياوات الكبش، المقدس للإله خنوم وللإله آمون في صورته برأس كبش، تكمل مجموعة مومياوات الحيوانات. كان الكبش مُبجَّلاً بشكل خاص في المنطقة الطيبية، حيث كان آمون الإله الأسمى، وعُثر على مومياواته بأعداد كبيرة في جبانات المنطقة.

التمائم والأشياء الجنائزية

يقدّم المتحف مجموعة واسعة من التمائم الجنائزية، أشياء سحرية صغيرة كانت تُدرج بين أربطة المومياء لحماية المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر. كان لكل تميمة وظيفة محددة: جعران القلب يمنع القلب من الشهادة ضد صاحبه أثناء محاكمة أوزوريس؛ عمود الجد يرمز للاستقرار والبعث؛ عين حورس (الأوجات) تضمن الحماية والشفاء؛ عقدة إيزيس (التيت) تستدعي القوة السحرية للإلهة.

تُعرض أيضاً شظايا من البرديات الجنائزية بفصول من كتاب الموتى، مجموعة الصيغ السحرية التي كانت ترشد المتوفى عبر مخاطر العالم الآخر. كانت هذه الصيغ ضرورية لتجاوز المحن التي كانت تنتظر الروح في رحلتها نحو مملكة أوزوريس.

عمارة المتحف

رحلة في العالم السفلي

اختيار مبنى شبه أرضي ليس عرضياً: أراد المعماري استحضار جو المقابر والممرات الجوفية للجبانات المصرية. يقود مسار العرض الزائر في رحلة رمزية إلى عالم الموتى، بإضاءة خافتة موحية تخلق جواً متجمعاً وتأملياً. تسهم الجدران الداكنة والأسقف المنخفضة في خلق إحساس بالألفة يدعو إلى التأمل في الأسئلة الكبرى للوجود الإنساني — الموت والعالم الآخر والذاكرة — التي شغلت المصريين القدماء كأي حضارة أخرى.

نصائح للزيارة

المواعيد والتذاكر

المتحف مفتوح كل يوم بفترتي زيارة: صباحاً من 9:00 إلى 13:00 ومساءً من 17:00 إلى 21:00. تذكرة الدخول متوفرة في شباك التذاكر بالمتحف. تتطلب الزيارة نحو ساعة، وساعة ونصف لمن يرغب في قراءة كل اللوحات المعلوماتية.

كيفية الوصول

يقع المتحف على كورنيش النيل، على مسافة قصيرة من معبد الأقصر ومتحف الأقصر. يمكن الوصول إليه سيراً من وسط المدينة في دقائق قليلة. موقعه على طول ممشى النيل يجعله محطة طبيعية أثناء نزهة مسائية على ضفة النهر.

نصائح عملية

المتحف مكيّف ويمثل ملاذاً مثالياً من الحر في ساعات النهار الوسطى. التصوير بدون فلاش مسموح. اللوحات المعلوماتية بالعربية والإنجليزية، بشروحات مفصلة عن كل مرحلة من عملية التحنيط. يُنصح بزيارة المتحف قبل استكشاف مقابر وادي الملوك ووادي الملكات، لفهم السياق الجنائزي للمواقع التي ستُزار بشكل أفضل.

لمن هو مناسب

المتحف مناسب للزوار من كل الأعمار، رغم أن موضوع الموت والتحنيط قد يتطلب بعض الحساسية في حالة الأطفال الصغار جداً. لعشاق تاريخ الطب والعلوم، يقدّم المتحف منظوراً فريداً للمعرفة التشريحية والكيميائية للمصريين القدماء، المتقدمة بشكل مدهش بالنسبة للعصر.

طرائف عن متحف التحنيط

لم يقتصر المصريون القدماء على تحنيط البشر والحيوانات: عُثر أيضاً على أطعمة محنّطة، منها خبز ولحم وفاكهة وحتى أوانٍ من العسل محفوظة بشكل مثالي بعد آلاف السنين. العسل، بفضل خصائصه المضادة للبكتيريا الطبيعية، كان من المواد الغذائية القليلة التي تُحفظ إلى ما لا نهاية حتى بدون معالجات خاصة. كانت عملية التحنيط فعالة بشكل مدهش من الناحية العلمية: اكتشف المصريون تجريبياً مبادئ حفظ لم يؤكدها العلم الحديث إلا بعد قرون. استخدام النطرون كمجفف، والراتنجات كمادة عازلة، وأربطة الكتان كحاجز واقٍ يمثل نظام حفظ متكامل بدرجة لافتة من التطور، أتاح لآلاف المومياوات البقاء أكثر من ثلاثين قرناً.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب