المسلة الناقصة: عملاق جرانيتي لم يولد قط
في محاجر الجرانيت الوردي القديمة بأسوان، على بُعد كيلومترات قليلة من مركز المدينة، يرقد أحد أكثر آثار مصر بأكملها سحراً وإفادةً. المسلة الناقصة مسلّة متراصّة هائلة كانت، لو اكتملت، ستصبح أكبر مسلة أُقيمت في العصور القديمة. وبطولها البالغ 41 متراً ووزنها المقدَّر بنحو 1.168 طناً، يمثّل هذا العملاق الحجري وثيقة استثنائية لتقنيات استخراج الحجر ومعالجته في مصر القديمة.
هُجِرت المسلة خلال مرحلة الاستخراج بسبب شرخ تشكّل في الصخر، مما جعل إتمام المسلّة المتراصّة مستحيلاً. وهذه الحادثة، رغم سوء حظها بالنسبة للبُناة القدماء، تكشّفت كنعمة لعلماء الآثار المعاصرين: فالمسلة الناقصة، التي لا تزال جزئياً غارقة في الصخر الأم، تقدّم نافذة فريدة على أساليب البناء التي استخدمها قدماء المصريين لإنشاء هذه الآثار الاستثنائية.
تاريخ المسلة
صاحبة الطلب: حتشبسوت
كُلِّفت المسلة الناقصة على الأرجح المؤكّد من الملكة الفرعون حتشبسوت (1478-1458 قبل الميلاد)، إحدى أكثر الشخصيات استثنائيةً في التاريخ المصري. وكانت حتشبسوت، التي حكمت مصر كفرعون بكل ما للكلمة من معنى خلال الأسرة الثامنة عشرة، معروفة بشغفها بالمباني الكبرى. فأقامت العديد من المسلات، منها تلك التي لا تزال تُشاهَد في معبد الكرنك بالأقصر. وكان من المفترض أن تكون مسلة أسوان تحفتها، أثراً غير مسبوق مكرَّساً للإله آمون رع.
لو اكتملت، لكانت المسلة أكبر بنحو الثلث من أي مسلة معروفة أخرى. ولكان المسلة اللاتيرانية في روما، أكبر مسلة قائمة في العالم اليوم بارتفاعها البالغ 32 متراً، قد تُجووِزَت بنحو 10 أمتار. ولكان وزن المسلة المكتملة، بعد الصقل ونقش الهيروغليفية، على أي حال يتجاوز 1.000 طن، طارحاً تحديات هائلة للنقل والتركيب.
الهجر
خلال مرحلة الاستخراج من الصخر الأم، تشكّل شرخ على طول جسم المسلة، على الأرجح بسبب عرق طبيعي في الجرانيت لم يكن قد رُصِد سابقاً. وجعل هذا الكسر المسلّة المتراصّة غير صالحة لغرضها الأصلي: فالمسلة المتصدّعة لم يكن بالإمكان إقامتها دون خطر انهيار، وبالنسبة لقدماء المصريين المتديّنين بعمق، كان الأثر المعيب ليكون إهانة للإله الذي كان مكرَّساً له.
هجر العمال ورشة البناء، تاركين المسلة بالضبط في الحالة التي كانت عليها لحظة اكتشاف العيب. ولم يحاولوا حتى استخراج مسلات أصغر من الحجر نفسه، على الأرجح لأن الشرخ جعل كتلة الجرانيت بأكملها غير مستقرة. وبقيت المسلة في المحاجر لأكثر من 3.400 عام، منسيّة تدريجياً ومغطّاة بالرمل والركام.
محاجر الجرانيت بأسوان
متحف في الهواء الطلق
محاجر الجرانيت بأسوان ليست فقط موقع المسلة الناقصة، بل متحف حقيقي في الهواء الطلق يوثّق آلاف السنين من نشاط الاستخراج. وكان الجرانيت الوردي الأسواني أحد أثمن المواد في مصر القديمة، يُستخدَم للتوابيت والمسلات والتماثيل الضخمة والأعمدة وكسوات المعابد. وأُنجِزت الأعمدة الضخمة لقاعة الأعمدة بالكرنك وتوابيت الفراعنة في وادي الملوك وتماثيل لا تُحصى بالحجر المستخرَج من هذه المحاجر.
بالمشي عبر الموقع، يمكن مشاهدة آثار المعالجة المتروكة في عصور مختلفة. وتخلق علامات الأسافين المستخدَمة لشقّ الصخر وتجاويف مدقّات الدوليريت والأسطح المصقولة بآلاف السنين من العمل البشري مشهداً صناعياً قديماً نادر الإيحاء.
تقنيات الاستخراج
تتيح المسلة الناقصة والمحاجر المحيطة إعادة بناء التقنيات التي استخدمها قدماء المصريين لاستخراج كتل الجرانيت الهائلة بدقة. وكانت العملية تبدأ باختيار نتوء جرانيتي خالٍ من العيوب المرئية. ثم كان العمال يرسمون أبعاد الكتلة المرغوبة على سطح الصخر.
كانت مرحلة الاستخراج الفعلية تعتمد على استخدام مدقّات الدوليريت، صخر أقسى من الجرانيت. وكانت فِرَق من العمال تطرق سطح الجرانيت بإيقاع بهذه الأدوات الثقيلة، مُحدِثةً خندقاً على طول محيط الكتلة بأكمله. والخنادق المرئية حول المسلة الناقصة بعرض نحو 75 سنتيمتراً، المساحة الضرورية لعامل في وضع القرفصاء.
كانت تقنية أخرى تتطلّب إدخال أسافين من الخشب الجاف في الشقوق المحدَثة في الصخر. ثم كانت الأسافين تُبلَّل بالماء: وعند تمدّده، كان الخشب يمارس ضغطاً كافياً لفصل الكتلة عن الصخر الأم. وكانت هذه التقنية البسيطة لكن الفعّالة تُستخدَم خصوصاً للمراحل النهائية من الفصل.
يُقدَّر أنه لاستخراج المسلة الناقصة كان من الضروري نحو 130 عاملاً يعملون في آنٍ معاً في الخنادق، بنوبات متواصلة للحفاظ على إيقاع ثابت. ولكانت عملية الاستخراج بأكملها تتطلّب نحو 15 شهراً من العمل.
مدقّات الدوليريت
عُثِر في محاجر أسوان على مئات مدقّات الدوليريت بأحجام متنوّعة، الأداة الرئيسية المستخدَمة لمعالجة الجرانيت. وكانت هذه الأدوات، ذات الشكل الكروي أو البيضوي، تزن من 5 إلى 6 كيلوغرامات لكل منها وتُستخدَم للدقّ ولصقل سطح الجرانيت على حدّ سواء. والدوليريت، إذ هو أقسى من الجرانيت على مقياس موس، كان المادة الطبيعية الوحيدة المتاحة القادرة على نحت هذا الصخر العنيد. ويُحسَب أن المدقّات كانت تتآكل بسرعة أثناء العمل، مستلزمةً إمداداً مستمراً بأدوات جديدة.
مرحلة النقل
من ورشة البناء إلى المعبد
لو اكتملت المسلة بنجاح، لكانت المرحلة التالية نقلها من المحجر إلى مكان الوجهة، على الأرجح معبد الكرنك بالأقصر، البعيد نحو 200 كيلومتر. ومثّل نقل مسلّة متراصّة تزن أكثر من 1.000 طن تحدياً لوجستياً هائلاً، حتى لحضارة بارعة كالحضارة المصرية.
كانت الطريقة الأكثر احتمالاً تتطلّب جرّ المسلة على منحدر مُزلَّق حتى ضفة النيل، حيث كانت ستُحمَّل على صندل ضخم. ولكانت الملاحة باتجاه المصبّ، المدعومة بتيار النيل، قد حملت المسلة حتى الأقصر. ولكانت إقامة المسلة في المعبد تتطلّب عملية معقّدة إضافية، على الأرجح مبنية على منحدرات من الرمل ونظام من الروافع.
تُظهِر التصاوير في المعابد والمقابر نقل المسلات على مراكب بُنيت خصيصاً، مجرورة بأساطيل من القوارب الأصغر. وأمرت الملكة حتشبسوت بتصوير نقل مسلتين من أسوان إلى الكرنك في معبدها الجنائزي بالدير البحري، مأثرة كانت من الواضح فخورة بها جداً.
نصائح للزيارة
كيفية الوصول
تقع محاجر الجرانيت في الجزء الجنوبي من مدينة أسوان، يسهل الوصول إليها بسيارة أجرة من مركز المدينة أو من محطة القطار. ومدخل الموقع الأثري معلَّم جيداً. ويمكن دمج الزيارة مع مواقع أخرى في أسوان في يوم كامل من الرحلات.
مسار الزيارة
الموقع مُهيَّأ كمتحف في الهواء الطلق بمسار معلَّم يقود إلى المسلة الناقصة ويعبر المناطق الرئيسية للمحاجر. وتشرح لوحات معلوماتية بلغات مختلفة تقنيات الاستخراج وتاريخ الموقع. والمسار جزئياً على أرض صخرية غير منتظمة، لذا فالأحذية المريحة والمتينة ضرورية.
ماذا تحضر
الموقع معرّض بالكامل للشمس، دون أي منطقة ظلّ. أحضروا كمية وفيرة من الماء والحماية من الشمس ونظارات شمسية وقبعة. وفي أشهر الصيف يمكن أن يبلغ الجرانيت درجات حرارة مرتفعة، مما يجعل الزيارة مرهقة بشكل خاص في الساعات الوسطى من النهار. ويُنصَح بزيارة الموقع في الصباح الباكر أو في وقت متأخر من بعد الظهر.
اقتراحات للتصوير
تقدّم المسلة الناقصة منظورات تصويرية فريدة. ولتقدير الأبعاد الهائلة للمسلّة المتراصّة، أدرِجوا شخصاً في الصورة كمرجع للحجم. وتستحق تفاصيل تقنيات المعالجة، مثل علامات المدقّات والخنادق، لقطات قريبة. ويُبرِز ضوء وقت متأخر من بعد الظهر اللون الوردي للجرانيت، مكوّناً صوراً موحية بشكل خاص.
طرائف عن المسلة الناقصة
لو اكتملت المسلة وأُقيمت، لكانت وزنت نحو 1.168 طناً ولكانت أثقل مسلة في العصور القديمة. ولإعطاء فكرة عن النسب، يعادل الوزن وزن نحو 200 فيل أفريقي. ولا يزال الشرخ الذي تسبّب في الهجر مرئياً بوضوح ويجري على طول المسلة بالاتجاه الطولي. وفي المحاجر المحيطة تُشاهَد أيضاً آثار مشاريع أخرى مهجورة، علامة على أن الحوادث أثناء الاستخراج لم تكن نادرة.
المسلة الناقصة أكثر بكثير من مجرد طُرفة أثرية: إنها كتاب مفتوح عن التكنولوجيا وتنظيم العمل في مصر القديمة، مكان يكشف فيه الماضي عن نفسه بوضوح نادر، وحيث يلتقي الطموح الضخم للفراعنة بالحدود التي تفرضها الطبيعة.