الواجهة الضخمة لقصر عابدين في وسط القاهرة
قصر 4.4/5

قصر عابدين

قصر رئاسي فخم في قلب القاهرة، شُيِّد للخديوي إسماعيل بأكثر من 500 غرفة ومجموعات متحفية ثمينة.

قصر عابدين: قصر القاهرة الحديثة

قصر عابدين أحد أفخم القصور الرئاسية في العالم ويمثّل الرمز المعماري لتحوّل القاهرة من مدينة من العصور الوسطى إلى حاضرة حديثة. ويقع في حي عابدين، في قلب العاصمة المصرية، وقد شُيِّد هذا المجمَّع القصري الفخم بين عامي 1863 و1874 بإرادة الخديوي إسماعيل باشا، الحاكم صاحب الرؤية الذي أراد أن يجعل القاهرة "باريس الشرق". وبغرفه التي تتجاوز 500 غرفة وحدائقه الوارفة ومجموعاته المتحفية ذات القيمة التي لا تُقدَّر بثمن، فإن القصر شاهد حيّ على طموح ملكية مصر وأبّهتها في القرن التاسع عشر.

لا يزال قصر عابدين حتى اليوم يحتفظ بدوره المؤسسي كأحد المقرّات الرسمية لرئيس جمهورية مصر العربية، وإن كان يُستخدَم بشكل رئيسي للمراسم الرسمية والاستقبالات الدبلوماسية. وحُوِّل جزء كبير من المجمَّع إلى متحف وفُتِح للجمهور، مما يتيح للزوار الإعجاب ببهاء الداخل والمجموعات الاستثنائية المحفوظة هناك.

تاريخ القصر

حلم الخديوي إسماعيل

يرتبط تاريخ قصر عابدين ارتباطاً لا ينفصم بشخصية الخديوي إسماعيل، حفيد حفيد محمد علي وحاكم مصر من 1863 إلى 1879. وكان إسماعيل رجلاً ذا ثقافة عالمية، تلقّى تعليمه في باريس، يحلم بتحويل مصر إلى أمة حديثة على النموذج الأوروبي. وكانت خطّته العمرانية للقاهرة تتوخّى إنشاء جادات واسعة وميادين أنيقة ومسارح وحدائق عامة من شأنها أن تمنح المدينة وجهاً جديداً تماماً.

نشأ قرار بناء قصر ملكي جديد من عدم رضا إسماعيل عن قلعة صلاح الدين، التي كانت مقرّ الحكم المصري طوال قرون لكن الخديوي عدّها متشدّدة أكثر من اللازم وغير مناسبة لتمثيل الحداثة التي أراد أن يجسّدها. وكان الموقع المختار للمقرّ الجديد هو حي عابدين، الذي كان آنذاك منطقة طرفية أراد الخديوي تطويرها كالمركز الأنيق الجديد للمدينة.

البناء (1863-1874)

بدأت الأعمال عام 1863 تحت إدارة المعماري الفرنسي روسو، الذي استُبدِل لاحقاً بالمعماري الإيطالي دي كوريل، الذي يُعزى إليه جزء كبير من التصميم النهائي. وصُمِّم القصر بأسلوب انتقائي يجمع عناصر العمارة الكلاسيكية الجديدة الأوروبية مع تفاصيل زخرفية مستوحاة من التقليد العثماني والإسلامي. ولزخرفة الداخل استُدعِي أفضل الحرفيين والفنانين في أوروبا: رسامون إيطاليون للجداريات، ونجّارو موبيليا فرنسيون للأثاث، ومعلّمو زجاج بوهيميون للثريات.

كانت التكلفة الإجمالية للبناء فلكية وساهمت بشكل كبير في مديونية مصر التي ستؤدي، عام 1879، إلى خلع إسماعيل نفسه على يد القوى الأوروبية الدائنة. ومع ذلك، فإن القصر الذي تركه إرثاً لخلفائه كان تحفة معمارية لا سابق لها في المنطقة.

من الملكية إلى الجمهورية

طوال قرن تقريباً، كان قصر عابدين المقرّ الرئيسي للعائلة المالكة المصرية. وأقام فيه الملك فؤاد الأول ولاحقاً الملك فاروق وعقدا فيه بلاطهما، مُثرِيَين المجموعات بالهدايا الدبلوماسية والأعمال الفنية والأشياء الثمينة الواردة من العالم أجمع. وفي 26 يناير 1952، خلال الاضطرابات المعروفة باسم "حريق القاهرة"، حُوصِر القصر بالجموع الغاضبة، نذيراً للثورة التي ستضع، بعد أشهر قليلة، في 23 يوليو 1952، حدّاً للملكية.

مع قدوم الجمهورية، قرّر الرئيس جمال عبد الناصر عدم استخدام القصر كمقرّ شخصي، عادّاً إياه رمزاً مفرطاً للترف الملكي. وكان الرئيس حسني مبارك، في التسعينيات، من أمر ببرنامج ترميم واسع وحوّل جزءاً من القصر إلى متحف، جاعلاً إياه متاحاً للجمهور لأول مرة في تاريخه.

عمارة القصر

الخارج

تمتدّ الواجهة الرئيسية لقصر عابدين أكثر من مئتي متر وتعرض عمارة كلاسيكية جديدة بعناصر باروكية. وتمنح الأعمدة الكورنثية والجملونات المثلثة والدرابزينات من الرخام الأبيض المبنى مظهراً مهيباً يذكّر بالقصور الأوروبية الكبرى في تلك الحقبة. والمدخل الرئيسي يعلوه شعار ملكي كبير من البرونز المذهّب، بينما على جانبي البوابة يوجد أسدان من الرخام يقومان بالحراسة.

يحيط بالقصر حدائق صُمِّمت على الطراز الفرنسي، بجادات مشجّرة ونوافير زخرفية وأحواض زهور هندسية تغطّي مساحة نحو خمسة وعشرين هكتاراً. وهذه الحدائق، التي كانت يوماً مخصّصة حصرياً للعائلة المالكة وضيوفها، متاحة اليوم جزئياً للزوار وتقدّم واحة هدوء في مركز القاهرة الفوضوي.

الداخل

داخل القصر انتصار للترف والرقيّ. وتتوزّع الغرف التي تتجاوز خمسمئة غرفة على طابقين رئيسيين، متّصلين بسلالم ضخمة من رخام كرارة بدرابزينات من البرونز المذهّب. وكل قاعة مزخرفة بأسلوب مختلف، مكوّنةً مساراً يعبر التيارات الفنية الأوروبية الرئيسية في القرن التاسع عشر.

قاعة العرش، الأكثر فخامة في القصر، فضاء هائل بأسقف مزيّنة بالجداريات يتجاوز ارتفاعها اثني عشر متراً، وثريات من كريستال بوهيميا تزن عدة أطنان، وجدران مكسوّة بحرير ليون. وقاعة البيزنطية، بفسيفسائها المذهّبة وأعمدتها من البورفير، تستحضر بهاء الإمبراطورية الرومانية الشرقية. والقاعة التركية، بزخارفها على الطراز العثماني، تكرّم الجذور الشرقية للسلالة.

متاحف قصر عابدين

متحف الأسلحة

مجموعة الأسلحة في قصر عابدين من أهم المجموعات في العالم وتضمّ أكثر من عشرة آلاف قطعة تغطّي مدى زمنياً من عدة قرون. ويمكن الإعجاب بسيوف مراسمية دمشقية بمقابض من ذهب وأحجار كريمة، ومسدسات مبارزة أوروبية من القرن الثامن عشر، وبنادق صيد كانت تخصّ الحكام المصريين، ومجموعة مذهلة من الخناجر العثمانية بنصال مطعّمة بالفضة.

أشهر قطعة في المجموعة هي على الأرجح السيف المراسمي الذي أهداه الإمبراطور نابليون الثالث للخديوي إسماعيل، تحفة من فنون الصياغة بمقبض مغطّى بالكامل بالألماس. ولا يقلّ روعةً مجموعة الأسلحة اليابانية، التي تضمّ كاتانات الساموراي ودروعاً من فترة إيدو، هدايا دبلوماسية تلقّاها البيت الملكي المصري.

متحف الفضّيات

يضمّ متحف الفضّيات مجموعة استثنائية من الأشياء من الفضة والذهب والأحجار الكريمة التي كانت تخصّ العائلة المالكة. وأطقم مائدة كاملة لمئات المدعوّين، وشمعدانات ضخمة، وصواني مراسمية، وعلب مجوهرات تشهد على مستوى أبّهة البلاط المصري. وجدير بالملاحظة بشكل خاص الأطقم التي صنعها بيت كريستوفل الباريسي الشهير، المكلَّفة مباشرةً من الخديوي إسماعيل.

متحف الهدايا الرئاسية

هذا المتحف، الأحدث في تأسيسه، يعرض الهدايا التي تلقّاها رؤساء جمهورية مصر من قِبَل رؤساء الدول والملوك والقادة الدوليين. والمجموعة متنوّعة للغاية وتشمل أشياء فنية ومجوهرات وسجاجيد وخزفيات ومصنوعات تقليدية من كل قارة. وكل شيء يروي قصة دبلوماسية ويقدّم لمحة عن العلاقات الدولية لمصر عبر العقود.

الطراز الأوروبي-العثماني

يمثّل قصر عابدين مثالاً نموذجياً للأسلوب الانتقائي الذي ميّز عمارة النخب المصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وهذا الأسلوب، الذي يمكننا تعريفه بـ"الأوروبي-العثماني"، ينشأ من إرادة الجمع بين هيبة الثقافة المعمارية الغربية والتقليد الزخرفي الشرقي. والنتيجة لغة معمارية فريدة، توجد أيضاً في مبانٍ أخرى من تلك الحقبة في القاهرة لكنها في القصر تبلغ تعبيرها الأكثر اكتمالاً.

كان على المعماريين الأوروبيين الذين عملوا في المشروع تكييف النماذج الغربية مع المناخ المصري ومع متطلبات البلاط. والغرف مرتّبة حول أفنية داخلية تفضّل التهوية الطبيعية، والنوافذ مزوّدة بمصاريع خشبية لتصفية الضوء الشديد، والأسقف العالية جداً تتيح للهواء الساخن الصعود، حافظةً على البيئات باردة نسبياً حتى في أكثر الأيام لهيباً.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

يقع قصر عابدين في ميدان عابدين، يسهل الوصول إليه من محطة مترو سعد زغلول أو محمد نجيب. ومن ميدان التحرير، يبعد القصر نحو خمس عشرة دقيقة سيراً على الأقدام على طول شارع قصر العيني. وكبديل، ستقلّكم سيارة أجرة أو خدمة مشاركة الركوب مباشرةً إلى المدخل.

المواعيد والتذاكر

المتحف مفتوح كل يوم عدا الجمعة، من 9:00 إلى 15:00. والتذكرة في المتناول وتشمل الدخول إلى المتاحف الثلاثة جميعها. ويُنصَح بالوصول باكراً في الصباح لتجنّب الطابور والحصول على مزيد من الوقت لتقدير المجموعات بهدوء.

ما ينبغي معرفته قبل الزيارة

عند مدخل القصر يوجد تفتيش أمني بجهاز كشف المعادن. وقد لا يُسمَح بالحقائب كبيرة الحجم في الداخل. والتصوير مسموح به عموماً في مناطق المتاحف، لكن دون فلاش. والقاعات الرئاسية التي لا تزال قيد الاستخدام غير متاحة للزوار.

دمج الزيارة

يقع قصر عابدين على مسافة قصيرة من العديد من المعالم الأخرى في مركز القاهرة. ويُنصَح بدمج الزيارة مع نزهة في حي وسط البلد، مع الإعجاب بالعمارة الاستعمارية لقصور الحقبة الجميلة، أو مع زيارة المتحف المصري المجاور في ميدان التحرير. ولتناول الغداء، تقدّم مطاعم حي جاردن سيتي، على بُعد دقائق قليلة سيراً، مطبخاً مصرياً ودولياً ممتازاً.

اقتراحات للتصوير

تقدّم واجهات القصر أفضل الفرص للتصوير في الصباح، حين يضيء ضوء الشمس الواجهة الشرقية. وفي الداخل، تخلق الثريات الكريستالية والأرضيات الرخامية انعكاسات موحية تستحقّ أن تُلتقَط. ويقدّم الميدان المقابل للقصر أفضل نقطة لصورة شاملة للمبنى.

زيارة قصر عابدين تعني الانغماس في فصل ساحر من تاريخ مصر الحديث، حقبة من الطموحات الكبرى والتحولات التي شكّلت وجه القاهرة كما نعرفه اليوم. وقاعاته الفخمة ومجموعاته الثمينة تقدّم رحلة عبر الزمن لاكتشاف أبّهة البلاط المصري وتطلّعات أمة تبحث عن هويتها الخاصة بين الشرق والغرب.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب