معبد حتشبسوت في الدير البحري والجروف الصخرية في الخلفية
معبد 🏆 تراث اليونسكو 4.9/5

معبد حتشبسوت

المعبد الجنائزي المهيب ذو المصاطب في الدير البحري، تحفة معمارية للملكة الفرعونة حتشبسوت.

معبد حتشبسوت: تحفة معمارية في الصخر

معبد حتشبسوت، المعروف باسم جسر جسرو، أي «مقدّس المقدّسات»، هو أحد أكثر آثار مصر القديمة روعةً ورمزيةً. ويقع المعبد، المنحوت في جرف الدير البحري المهيب على الضفة الغربية للأقصر، فيمثّل هذا المعبد الجنائزي ذو المصاطب ذروة عمارة الدولة الحديثة وتحيةً لأقوى امرأة في مصر القديمة. وبنيته الفريدة، المندمجة اندماجًا تامًّا في المنظر الطبيعي لتلال طيبة، تجعله أحد أكثر المنشآت تصويرًا وإعجابًا في البلاد كلها.

حكمت حتشبسوت، خامسة حكام الأسرة الثامنة عشرة، مصر نحو اثنين وعشرين عامًا، من نحو 1479 إلى 1458 ق.م، أولًا وصيةً على ربيبها الصغير تحتمس الثالث، ثم فرعونةً بحقّها الكامل. وكانت إحدى أقدر الملكات وأكثرهنّ ابتكارًا في التاريخ المصري، إذ شجّعت التجارة الدولية والعمارة الضخمة والسلام. ومعبدها الجنائزي هو أبلغ إرث لحكمها المجيد.

التاريخ والبناء

عبقرية سنن موت

يُنسب تصميم المعبد إلى سنن موت، المهندس الملكي، ومربّي الأميرة نفرو رع، والشخصية المحورية في بلاط حتشبسوت. وقد ابتكر سنن موت مبنى ثوريًّا خرج على تقليد المعابد الجنائزية السابقة، باختياره بنية من المصاطب ذات الأعمدة تنسجم انسجامًا تامًّا مع الجدار الصخري خلفها. وقد كانت العلاقة بين سنن موت وحتشبسوت موضوع كثير من التكهّنات: فقرب المهندس من الملكة وتأثيره عليها غذّيا فرضيات رومانسية، وإن ظلّت الأدلة الملموسة بعيدة المنال.

تطلّب بناء المعبد على الأرجح نحو خمسة عشر عامًا، وشغّل آلاف العمّال المتخصّصين. وشملت المواد المستخدمة الحجر الجيري المحلي للبنية الرئيسة، والجرانيت الوردي الأسواني للعناصر الحاملة، والحجر الجيري الناعم من طرة للنقوش الزخرفية. ولم يكن اختيار موقع الدير البحري عشوائيًّا: فقد كان الوادي يُعدّ مقدّسًا بالفعل، إذ يحتضن المعبد الجنائزي الأقدم لمنتوحتب الثاني من الأسرة الحادية عشرة، وكان الجرف نصف الدائري يصنع مدرّجًا طبيعيًّا بالغ الدرامية.

القصد السياسي والديني

كان للمعبد وظيفة مزدوجة: فقد كان معبدًا جنائزيًّا لعبادة الملكة الراحلة، ومعبدًا مكرّسًا للإله آمون رع. ومن خلال الزخارف والنصوص المقدّسة، كانت حتشبسوت تضفي الشرعية على حقّها في العرش بتأكيد مولدها الإلهي، ثمرة اتحاد أمها أحمس بالإله آمون نفسه. وهذه الرواية، المنحوتة في نقوش المصطبة الثانية، تشكّل أحد أكثر البرامج الدعائية إتقانًا في العصور القديمة.

عمارة المعبد

المصطبة الأولى

يتطوّر المعبد على ثلاثة مستويات يصل بينها منحدرات مركزية. وكانت المصطبة الأولى، الأدنى، يسبقها في الأصل طريق يحفّه أبو الهول، وحدائق فيها أشجار المرّ والبرسيا، تُروى بنظام هيدروليكي متطوّر. وقد حدّد علماء الآثار بقايا جذور هذه الأشجار، مؤكّدين التصوّرات الظاهرة في النقوش. ويحفّ المنحدر المركزي رواقان ذوا أعمدة، مزيّنان بمشاهد صيد البر والبحر ونقل المسلّات من جرانيت أسوان إلى الكرنك.

المصطبة الثانية

تحتضن المصطبة الثانية أشهر العناصر الزخرفية في المعبد. ويضمّ الرواق الجنوبي نقوش رحلة بلاد بونت الشهيرة، أحد أكثر شهادات المشاريع التجارية القديمة تفصيلًا. وتُظهر المشاهد الأسطول المصري وهو يبلغ تلك الأرض النائية، الواقعة على الأرجح في القرن الأفريقي الحالي، وتجارة السلع الثمينة: البخور والمرّ والأبنوس والعاج والذهب والحيوانات الغريبة. وملكة بونت، المصوّرة بجسد ضخم، إحدى أكثر الشخصيات رمزيةً في الفن المصري.

أما الرواق الشمالي فيعرض نقوش المولد الإلهي لحتشبسوت، أو ما يُسمّى «الزواج المقدّس». وتروي المشاهد كيف اتحد الإله آمون، في هيئة تحتمس الأول، بالملكة أحمس لينجب حتشبسوت، المقدَّر لها منذ مولدها أن تحكم مصر. وكانت هذه الرواية تخدم تبرير حقّ امرأة في العرش في مجتمع كان يفضّل الوراثة الذكورية.

مقصورة حتحور

على المصطبة الثانية تنتصب مقصورة حتحور، المكرّسة لإلهة الحب والجمال والأمومة، المعبودة بنوع خاص في هذه المنطقة. والأعمدة الحتحورية، بتيجانها المميّزة التي تستعيد وجه الإلهة بأذنين بقريّتين، من أكثر عناصر المعبد أناقة. وداخل المقصورة، تُظهر النقوش حتشبسوت وهي تقدّم اللبن للإلهة حتحور في هيئة بقرة، في أيقونية بالغة الرقّة.

مقصورة أنوبيس

على الجانب المقابل من المصطبة تنتصب مقصورة أنوبيس، الإله ابن آوى حامي الموتى والتحنيط. وهذه المقصورة، بسقفها المزيّن بالنجوم على أرضية زرقاء وجدرانها المغطاة بمشاهد طقسية ما زالت ألوانها زاهية جدًّا، من أفضل قاعات المعبد كله حفظًا. وتُظهر النقوش حتشبسوت وهي تقدّم القرابين لأنوبيس، بجودة فنية تكشف براعة حرفيي الأسرة الثامنة عشرة.

المصطبة الثالثة والمحراب

المصطبة العليا هي الأقدس. ويقود رواق من الأعمدة الأوزيرية (دعائم على هيئة أوزير، بوجه حتشبسوت) إلى المحراب نفسه، المنحوت في صخر الجرف. وهناك كانت كوّات تماثيل الملكة والمذبح لقرابين الإله آمون. وقد دمّر تحتمس الثالث كثيرًا من التماثيل الأوزيرية بعد وفاة حتشبسوت، في محاولة لمحو ذكرى الملكة الفرعونة. وقد استُعيدت شظايا هذه التماثيل وأُعيد تركيبها جزئيًّا خلال حملات التنقيب في القرن العشرين.

محو الذكرى

بعد وفاة حتشبسوت، شنّ خلفها تحتمس الثالث حملة منهجية لمحو ذكرى الملكة. فمُحيت صورها، واستُبدلت خراطيشها بخراطيش تحتمس الأول أو الثاني أو الثالث، وأُسقطت تماثيلها ودُفنت. ولم يكن محو الذكرى هذا فوريًّا، بل جرى قرب نهاية حكم تحتمس الثالث، ربما لأسباب سياسية مرتبطة بإضفاء الشرعية على خط وراثته. ورغم هذه المحاولات، حفظ المعبد آثارًا كافية من صاحبته الأصلية تتيح لعلماء المصريات المحدثين إعادة بناء قصة حتشبسوت.

حادثة عام 1997

في 17 نوفمبر 1997، كان المعبد مسرحًا لهجوم إرهابي مأساوي فقد فيه 62 شخصًا حياتهم، معظمهم سيّاح أجانب. وقد هزّت هذه الحادثة مصر والعالم بأسره، فأدّت إلى تشديد صارم لإجراءات الأمن في المواقع الأثرية بالبلاد. واليوم يخلّد نصب تذكاري متواضع داخل المجمع ذكرى ضحايا ذلك اليوم. ومنذ ذلك الحين عُزّز أمن الموقع تعزيزًا كبيرًا، وتجري الزيارة في هدوء تام.

الخلفية الطبيعية

من أكثر سمات المعبد إبهارًا علاقته بالمنظر المحيط. فجرف الدير البحري، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 300 متر، يصنع مدرّجًا طبيعيًّا من الحجر الجيري الذهبي يؤطّر المعبد كأنه ديكور مسرحي. وضوء الشمس، المتغيّر على مدار اليوم، يحوّل مظهر الأثر باستمرار: من درجات الفجر الوردية إلى انعكاسات الغروب الذهبية، تقدّم كل لحظة مشهدًا بصريًّا مختلفًا لا يُنسى.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

يُوصل إلى المعبد من الضفة الغربية للأقصر، بعد عبور النيل بالعبّارة المحلية أو تاكسي النهر. ومن الضفة الغربية، تقود سيارات الأجرة والميكروباصات إلى الموقع في نحو عشرين دقيقة. ويربط قطار كهربائي صغير بين شباك التذاكر ومدخل المعبد، مجنّبًا الزوّار السير تحت الشمس.

المواعيد والتذاكر

المعبد مفتوح يوميًّا من الفجر إلى الغروب. وتذكرة الدخول مشمولة في جولة الضفة الغربية. ويُنصح بالوصول عند الافتتاح لتجنّب الحرّ الشديد وزحام المجموعات السياحية المنظَّمة التي تميل إلى الوصول بين التاسعة والحادية عشرة صباحًا.

ماذا تحمل

الوقاية من الشمس والقبعة والنظارة الشمسية والماء الوافر أمور لا غنى عنها مطلقًا. فلا ظلّ تقريبًا على الطريق بين شباك التذاكر والمعبد. ويُنصح بحذاء مريح بنعل غير قابل للانزلاق للمنحدرات الحجرية. وسيُثري الدليل الورقي أو تطبيق يحوي معلومات مفصّلة التجربة كثيرًا.

اقتراحات للتصوير

أفضل لحظة للتصوير هي الصباح الباكر، حين يُبرز الضوء المائل نقوش المصاطب ويكتسي الجرف درجات ذهبية. وللحصول على منظر بانورامي للمجمع كله، قف على امتداد الدرب المؤدّي نحو وادي الملوك، حيث تتمتّع بمنظور استثنائي. وتستحق الأعمدة الحتحورية ونقوش رحلة بلاد بونت لقطات مقرّبة لتقدير تفاصيلها.

معبد حتشبسوت ليس أثرًا أثريًّا فحسب: إنه بيان للطموح والذكاء والرؤية الفنية، الإرث الخالد لامرأة تحدّت أعراف زمانها لتترك بصمةً لا تُمحى في تاريخ البشرية. وزيارته تجربة تجمع بين الدهشة الجمالية والفتنة التاريخية والتأثّر العميق، تحيةً لإحدى أكثر شخصيات مصر القديمة استثنائية.

معالم ذات صلة

Contattaci su WhatsApp