تمثالا ممنون: حُرّاس جبانة طيبة عبر الألفيات
تمثالا ممنون من بين أوّل الصور التي تستقبل الزائر على الضفة الغربية للأقصر. هذان التمثالان الضخمان، بارتفاع نحو 18 متراً ووزن نحو 720 طنّاً لكلٍّ منهما، يمثّلان الفرعون أمنحتب الثالث جالساً على عرش، ويحرسان منذ أكثر من 3400 عام مدخل جبانة طيبة. أُقيما في الأصل حارسَين لمدخل المعبد الجنائزي الشاسع للفرعون، الأكبر الذي بُني على الإطلاق في طيبة، والتمثالان اليوم هما كلّ ما تبقّى من ذلك المجمّع الأثري الذي كان مهيباً ذات يوم.
رغم أنّ ألفيات من التعرية والزلازل والنهب قد محت كلّ أثر تقريباً للمعبد الجنائزي الذي كان يضمّهما، يواصل التمثالان السيطرة على السهل بحضور مهيب وآمر. بقاؤهما ذاته، في مشهد طبيعي اختفت فيه المنشآت المحيطة، يجعلهما أكثر إثارة للإعجاب وتحميلاً بالسحر.
أمنحتب الثالث ومعبده الجنائزي
فرعون الترف
أمنحتب الثالث، تاسع حكّام الأسرة الثامنة عشرة، حكم مصر من نحو 1386 إلى 1349 قبل الميلاد، خلال فترة من الازدهار والسلام الاستثنائيَّين. يُعدّ حكمه ذروة قوة وثروة مصر في الدولة الحديثة. وباعتباره بنّاءً عظيماً وراعياً للفنون، كان أمنحتب الثالث مسؤولاً عن عدد مذهل من المنشآت الضخمة في جميع أنحاء البلاد، من بينها معبد الأقصر وتوسعات مهمة في مجمّع الكرنك.
كان المعبد الجنائزي الذي انتصب خلف التمثالين الأكبر والأفخم الذي أُقيم على الإطلاق على الضفة الغربية لطيبة. كان يغطّي مساحة نحو 350,000 متر مربع، متفوّقاً حتى على مجمّع الكرنك في الامتداد. في داخله كانت هناك أفنية ذات أروقة، وقاعات أعمدة، ومحاريب، وتماثيل ضخمة، وحدائق غنّاء. للأسف، عرّضه موقعه في السهل الفيضي للفيضانات السنوية للنيل، التي تسبّبت على مرّ القرون في تدهوره التدريجي. وأُعيد استخدام كتل المعبد كذلك بشكل منهجي من قبل فراعنة لاحقين في منشآتهم الخاصة.
التمثالان
يصوّر التمثالان أمنحتب الثالث جالساً على عرش مزيّن برموز توحيد مصر العليا والسفلى، ممثَّلة بأزهار اللوتس والبردي المتشابكة. على جانبَي ساقَي الفرعون نُحتت أشكال أنثوية بأبعاد أصغر: الزوجة الملكية الكبرى تي وأمّ الفرعون موت إم وية. نُحت التمثالان من كتلتَين واحدتَين من الكوارتزيت، وهو حجر صلب للغاية بلون مائل إلى الحمرة، استُخرج من محاجر جبل الأحمر قرب القاهرة الحالية، ونُقل لأكثر من 600 كيلومتر على طول النيل حتى طيبة.
مثّل نقل هذه الكتل الأحادية العملاقة إنجازاً لوجستياً استثنائياً. كان على كلّ كتلة، بوزنها الأصلي البالغ نحو 720 طنّاً، أن تُستخرج وتُنحت بشكل أوّلي وتُحمَّل على صنادل نهرية وتُبحَر عكس التيار حتى طيبة، حيث نُحتت نهائياً ووُضعت في موضعها. تطلّبت العملية بأكملها تنسيقاً مثالياً لآلاف العمّال وأشهراً من العمل.
أسطورة التمثالَين الغنّاءَين
زلزال 27 قبل الميلاد
ترتبط شهرة تمثالَي ممنون في العصور الكلاسيكية القديمة بظاهرة غامضة وساحرة. في عام 27 قبل الميلاد، ألحق زلزال عنيف ضرراً بالغاً بالتمثال الشمالي، مسبّباً شرخاً في الجزء العلوي من التمثال. منذ تلك اللحظة، عند الفجر، بدأ التمثال يصدر صوتاً عذباً، وُصف بأنّه صفير أو غناء، فسّره الرحّالة الإغريق والرومان بأنّه نواح البطل الأسطوري ممنون وهو يحيّي أمّه إيوس، إلهة الفجر.
الظاهرة، الموثّقة من قبل عديد من المؤلّفين القدماء بمن فيهم سترابون وبوسانياس وبلينيوس الأكبر، اجتذبت زوّاراً من جميع أنحاء العالم الروماني. هرع القادة وأعضاء مجلس الشيوخ والأباطرة والرحّالة البسطاء للاستماع إلى الصوت الغامض للتمثال. ومن بين الزوّار البارزين يُعدّ الإمبراطور هادريان عام 130 بعد الميلاد، الذي انتظر الصوت بصبر وسمعه في محاولته الثالثة. لا تزال النقوش التي تركها هؤلاء الزوّار مرئية على قاعدة التمثالين، مشكّلة واحداً من أقدم أمثلة الكتابات السياحية في التاريخ.
التفسير العلمي
يُعزى الظاهرة الصوتية من قبل الباحثين المعاصرين إلى تبخّر الرطوبة الليلية في الحجر المسامي المتشقّق بفعل الزلزال. عند الفجر، كان التسخين السريع لسطح التمثال يسبّب تمدّد الهواء والماء المحبوسَين في الشقوق، مولّداً اهتزازات صوتية. هذا التفسير، مهما كان عادياً، لا ينتقص شيئاً من السحر الذي مارسته الظاهرة لقرابة قرنين على مخيّلة الرحّالة القدماء.
الترميم الروماني
نحو عام 199 بعد الميلاد، أمر الإمبراطور سبتيموس سيفيروس بترميم التمثال المتضرّر، فأعاد بناء الجزء العلوي بكتل من الحجر الرملي. هذا الترميم، رغم حسن النية، وضع حدّاً للظاهرة الصوتية، فتوقّف التمثالان عن «الغناء». انتُقد قرار سيفيروس أحياناً باعتباره عملاً من أعمال التخريب غير المتعمّد الذي حرم العالم من واحدة من أكثر عجائبه سحراً.
اسم ممنون
ربط الإغريق التمثالين بممنون، الملك الإثيوبي ابن إيوس (الفجر) وتيثونوس، الذي قاتل وفق الميثولوجيا الهوميرية في حرب طروادة إلى جانب الطرواديين وقُتل على يد البطل أخيل. فُسّر النواح المسموع عند الفجر بأنّه بكاء ممنون وهو ينادي أمّه، أو بأنّه ردّ إيوس التي كانت تبكي موت ابنها في صورة ندى الصباح. في الحقيقة، لم يربط قدماء المصريين التمثالين بأيّ ممنون: فبالنسبة إليهم كانا يمثّلان ببساطة أمنحتب الثالث، المدعوّ بالمصرية «حاكم الحكّام». غير أنّ اسم ممنون فرض نفسه في التقليد الكلاسيكي والوسيط، وهو الاسم الذي يُعرف به التمثالان عالمياً حتى اليوم.
الحفريات الحديثة
في العقود الأخيرة، أخرج مشروع أثري بقيادة هوريغ سوروزيان إلى النور عديداً من شظايا المعبد الجنائزي لأمنحتب الثالث، كاشفاً امتداد وفخامة المجمّع الأصلي. عُثر على تماثيل ضخمة لأبي الهول، وأشكال للإلهة سخمت، وبقايا أعمدة وأرضيات، تعيد تدريجياً تعريف فهمنا لما كان واحداً من أكثر معابد مصر القديمة فخامة. أُعيد وضع بعض هذه التماثيل المرمّمة في مواضعها الأصلية، مثرية الموقع الأثري ومقدّمة للزوّار فكرة أكثر اكتمالاً عن البهاء القديم للمجمّع.
نصائح للزيارة
الدخول والتكاليف
من خصوصيات تمثالَي ممنون أنّ الزيارة مجانية بالكامل. يقع التمثالان على طول الطريق الرئيسي الذي يعبر الضفة الغربية للأقصر، يسهل الوصول إليهما لأيّ شخص يتوجّه نحو جبانة طيبة. لا حاجة إلى أيّ تذكرة ولا توجد مواعيد للفتح: التمثالان مرئيان وقابلان للتصوير في أيّ لحظة من اليوم والليلة.
أفضل وقت
الوقت المثالي لزيارة التمثالين هو عند الفجر أو الغروب، حين يخلق الضوء الذهبي تأثيراً درامياً على التمثالين وعلى خلفية تلال طيبة. الفجر موحٍ بشكل خاص، مستحضراً ذكرى الرحّالة القدماء الذين كانوا ينتظرون أوّل شعاع للشمس لسماع غناء ممنون. عند الغروب، يبرز التمثالان كظلَّين أسودَين أمام سماء متّقدة، مقدّمَين فرصاً تصويرية مذهلة.
الجمع بين الزيارات
تمثالا ممنون عموماً المحطة الأولى أو الأخيرة في زيارة الضفة الغربية للأقصر. موقعهما على طول الطريق الرئيسي يجعلهما محطة طبيعية في المسار نحو وادي الملوك ومعبد حتشبسوت ومدينة هابو ووادي الملكات. توقّف لثلاثين دقيقة يكفي للإعجاب بالتمثالين، وقراءة النقوش القديمة على القاعدة، والتقاط الصور.
اقتراحات عملية
اصطحبوا معكم مرشداً يشرح تاريخ ومعنى التمثالين: من دون سياق، قد يبدو التمثالان مجرّد أطلال مهيبة، لكنّ تاريخهما غنيّ بالسحر. انتبهوا إلى الباعة الجائلين الذين يحيطون بالموقع. للحصول على منظور مختلف، راقبوا التمثالين أيضاً من الطريق، عن بُعد، لتقدير حجمهما بالنسبة إلى المشهد المحيط.
تمثالا ممنون أكثر بكثير من مجرّد أطلال: إنّهما شاهدان صامتان على ألفيات من التاريخ، من بهاء الأسرة الثامنة عشرة إلى عجائب العصر الروماني، وصولاً إلى السياحة الحديثة. حضورهما المهيب في سهل الأقصر يواصل إثارة الإعجاب والإجلال، مذكّراً إيّانا بعظمة وطموح حضارة بنت للأبدية.