سراديب كوم الشقافة: رحلة في التوفيق الديني لمصر الرومانية
تمثّل سراديب كوم الشقافة واحدًا من أكثر المواقع الأثرية سحرًا وغموضًا في الإسكندرية بمصر. وتقع هذه السراديب في حيّ كرموز، وتشكّل أكبر مجمّع جنائزي روماني معروف في مصر، وتُعدّ على نحو شامل من أهمّ الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. واسمها العربي، الذي يعني "تلّ الشُّقَف"، مشتقّ من شظايا الفخّار العديدة الموجودة على السطح، وهي بقايا القرابين الغذائية التي حملها الزوّار القدماء تكريمًا للموتى.
تعود السراديب إلى القرن الثاني الميلادي، وتقدّم مثالًا استثنائيًا وفريدًا في العالم على التوفيق الفنّي والثقافي، حيث تمتزج التقاليد الجنائزية المصرية والإغريقية والرومانية في انسجام يعكس بدقّة الروح الكوزموبوليتية للإسكندرية في العصر الإمبراطوري الروماني.
التاريخ والاكتشاف
أصول المجمّع
حُفرت السراديب في البداية مقبرةً خاصّة لعائلة سكندرية ثرية واحدة، على الأرجح نحو نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني الميلادي. وبمرور الوقت، وُسّع المجمّع تدريجيًا لاستيعاب عدد متزايد من الدفنات، فصار في النهاية جبانة جماعية استُخدمت حتى القرن الرابع الميلادي.
يتزامن عصر البناء مع فترة ازدهار كبير للإسكندرية، التي كانت تحت السيطرة الرومانية ثاني أهمّ مدن الإمبراطورية بعد روما نفسها. وكان سكّان المدينة فسيفساء متعدّدة الثقافات من المصريين والإغريق والرومان واليهود وطوائف أخرى، وتنعكس هذه التعدّدية على نحو رائع في فنّ السراديب وعمارتها.
الاكتشاف عام 1900
ظلّت السراديب مخفيّة قرونًا تحت تلّ كوم الشقافة، منسيّة مدفونة. وحدث اكتشافها على نحو محض بالمصادفة في 28 سبتمبر 1900، حين سقط حمار في بئر تبيّن أنها مدخل المجمّع تحت الأرض. والحفريات اللاحقة، التي أُجريت بإدارة عالم الآثار الألماني-المصري جوزيبي بوتي وواصلها آلان رو، كشفت امتداد السراديب وثراءها، مثيرةً الدهشة في العالم الأكاديمي الدولي.
اعتُرف بالاكتشاف فورًا بوصفه أحد أهمّ الاكتشافات في حقل آثار المتوسط، حتى إن بعض الباحثين أدرجوا السراديب ضمن عجائب العصور الوسطى السبع.
البنية المعمارية
السلّم الحلزوني
يتمّ الدخول إلى السراديب عبر سلّم حلزوني يلتفّ حول بئر مركزية أسطوانية وينزل نحو 30 مترًا في باطن الأرض. وقد صُمّم هذا السلّم، الواسع كفايةً للسماح بمرور التوابيت، ببراعة هندسية كبيرة. وكانت البئر المركزية تُستخدم على الأرجح لإنزال التوابيت بنظام من الحبال والبكرات، فيما كان السلّم يستخدمه المشاركون في المراسم الجنائزية.
النزول على امتداد السلّم تجربة مؤثّرة: يصبح الهواء أبرد، ويخفت الضوء تدريجيًا، ويجد الزائر نفسه منغمسًا في أجواء تستحضر العبور الرمزي من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وهو موضوع محوري في الديانة المصرية.
المستوى الأول: الرواق المستدير
يفتح المستوى الأول تحت الأرض على رواق مستدير دائري ببئر مركزية يُدخَل منها إلى المستويات السفلى. ومن هذا الرواق تتفرّع ممرّات تؤدّي إلى التريكلينيوم، وهي قاعة استُخدمت للولائم الجنائزية تكريمًا للموتى. ويضمّ التريكلينيوم ثلاثة أسرّة للجلوس من الحجر حيث كان أقارب المتوفّى يتناولون الوجبة الطقسية، وهي تقليد روماني نمطي يمتزج هنا بالعادات الجنائزية المصرية.
جدران الرواق مزيّنة بتجاويف كانت تحتوي قديمًا جِرارًا للرماد وتماثيل نذرية صغيرة. والعمارة تمزج عناصر كلاسيكية كالأعمدة والجملونات بزخارف مصرية، مُنشئةً تأثيرًا بصريًا بالغ الوقع.
المستوى الثاني: الحجرة الرئيسية
يقع قلب السراديب في المستوى الثاني، حيث الحجرة الجنائزية الرئيسية. ويسبق الدخولَ دهليزٌ تسنده أعمدة تحمل واحدةً من أكثر تجلّيات التوفيق السكندري استثناءً: تيجان كورنثية تسند عتبات مزخرفة بقرص الشمس المجنّح المصري وبأفاعٍ تجمع الصلّ الفرعوني بعصا هرمس الإغريقية (الكادوكيوس).
جدران الحجرة الرئيسية مزيّنة بنقوش تصوّر آلهة مصرية بزيّ روماني. فأنوبيس، الإله ابن آوى حارس الموتى، يُمثَّل بدرع وعباءة جندي روماني، فيما يظهر تحوت وحورس بسمات أيقونية إغريقية. والتابوت المركزي مزخرف بأكاليل رومانية، لكن غطاءه يحمل أفعى الصلّ المصرية التقليدية.
على جانبَي الحجرة تنفتح تجاويف بتوابيت حجرية، كلّ منها مزخرف بمزيج مختلف من الزخارف الثقافية. فرؤوس ميدوسا تتعايش مع الجعارين المقدّسة، وأكاليل الفاكهة النمطية للفنّ الهلنستي تتناوب مع عمود الجِد المصري رمز الثبات.
المستوى الثالث
المستوى الثالث والأعمق من السراديب مغمور حاليًا في معظمه بالمياه الجوفية التي اجتاحت على مرّ القرون الأروقة السفلى. وحين يكون متاحًا، يكشف هذا المستوى امتدادًا إضافيًا من الممرّات والتجاويف الجنائزية التي تشهد على الاستخدام الممتدّ والتوسّع التدريجي للمجمّع.
المياه الجوفية، مع أنها تحدّ من الدخول، أسهمت على نحو متناقض في حفظ بعض العناصر المعمارية، حاميةً إيّاها من فعل التعرية بالهواء والزوّار. وتسير مشاريع الضخّ والترميم بحذر كي لا تُخِلّ باستقرار البنية بأكملها.
قاعة كاراكلا
من المناطق البالغة الأهمّية في السراديب ما يُسمّى قاعة كاراكلا، التي استُخدمت بحسب التقليد لدفن ضحايا المذبحة التي أمر بها الإمبراطور كاراكلا عام 215 م. فالإمبراطور، الذي أهانته هجائية سكندرية، أمر بمذبحة آلاف الشبّان في المدينة. وتحتوي القاعة دفنات عديدة يربطها بعض الباحثين بهذا الحدث المأساوي، وإن ظلّ النسب موضع جدل أكاديمي.
التوفيق الفنّي
ظاهرة فريدة في العالم
أكثر جوانب سراديب كوم الشقافة استثناءً هو الامتزاج الفنّي بين التقاليد الثقافية الثلاثة الكبرى التي تعايشت في الإسكندرية. وهذا التوفيق ليس مجرّد مجاورة لعناصر مختلفة، بل تكامل إبداعي حقيقي يُنتج أشكالًا فنّية جديدة وأصيلة.
تُظهر النقوش مشاهد جنائزية مصرية مُنجَزة بالتقنية النحتية الإغريقية-الرومانية. والأشكال تتّبع الأعراف الأيقونية المصرية، بالجانب الجانبي النمطي ووضعية الجذع الأمامية، لكن نمذجة الأجسام تكشف الحسّ التشكيلي للفنّ الكلاسيكي. والهيروغليفية الزخرفية، مع أنها صحيحة أسلوبيًا، تخلو غالبًا من المعنى اللغوي، ما يوحي بأن الفنّانين قدّروا قيمتها الجمالية والرمزية دون أن يفهموها بالضرورة.
يعكس هذا المزج الثقافي الواقع الاجتماعي للإسكندرية، حيث كانت عائلات من أصل إغريقي أو روماني تتبنّى عناصر من الديانة المصرية، خاصّةً المعتقدات المتعلّقة بالحياة الأخرى، التي كانت تُعدّ من أكثر معتقدات العالم القديم تفصيلًا وطمأنينة.
الزخارف التصويرية
إلى جانب النقوش النحتية، تحفظ السراديب آثار زخارف تصويرية كانت تُثري الجدران بألوان زاهية. ومع أن جزءًا كبيرًا من التلوين الأصلي ضاع، فقد كشفت التحاليل عن استخدام أصباغ حمراء وزرقاء وصفراء وخضراء طُبّقت بتقنيات تجمع تقليد الجدارية الرومانية بلوحة الألوان المصرية.
نصائح للزيارة
كيفية الوصول
تقع السراديب في حيّ كرموز، في القطاع الجنوبي الغربي من الإسكندرية. ويمكن بلوغها بسيارة أجرة من وسط المدينة في نحو 15-20 دقيقة. ويقع عمود السواري في الجوار المباشر، ويُنصح بجمع زيارة الموقعين في نصف اليوم نفسه.
ما يُتوقَّع
تتطلّب الزيارة النزول على سلالم حادّة الانحدار واجتياز ممرّات ضيّقة منخفضة. والإضاءة اصطناعية لكنها كافية. ودرجة الحرارة تحت الأرض باردة حتى في أشهر الصيف، ما يجعل الزيارة لطيفة ملاذًا من الحرّ. ومع ذلك يُنصح بانتعال أحذية مريحة بنعل مانع للانزلاق، إذ قد تكون بعض الأسطح رطبة.
احتياطات عملية
لا يُسمح باستخدام فلاش التصوير حفاظًا على الزخارف. واحملوا مصباحًا يدويًا صغيرًا لمعاينة التفاصيل في التجاويف الأقلّ إضاءة. والزيارة غير مُستحسَنة لمن يعانون رهاب الأماكن المغلقة. ويمكن لمرشد محلي أن يُثري التجربة كثيرًا بشرح المعنى الرمزي للزخارف التوفيقية.
الجمع في الزيارات
تقع السراديب على بُعد خطوات قليلة من عمود السواري ومن السيرابيوم. ويُنصح بتخصيص نصف يوم لزيارة هذه المنطقة، مع إكمال المسار بالمتحف الوطني للإسكندرية القريب لوضع المكتشفات في الإطار التاريخي الأوسع للمدينة.
زيارة سراديب كوم الشقافة تجربة تنقل الزائر إلى قلب الإسكندرية المتعدّدة الثقافات في العصر الروماني، مكانٌ صار فيه الموت أرض لقاء بين الحضارات، وبلغ فيه الفنّ الجنائزي قِممًا من الإبداع والتوفيق لا نظير لها في العالم القديم.