عمود السواري يرتفع بين أطلال السيرابيوم القديم بالإسكندرية
عمود 4.3/5

عمود السواري

عمود ضخم من الغرانيت الأحمر بارتفاع يقارب 27 متراً، أُقيم تكريماً للإمبراطور دقلديانوس بين أطلال السيرابيوم القديم.

عمود السواري: أكبر مونوليت روماني في مصر

عمود السواري، رغم اسمه المضلل، واحد من أكثر معالم الإسكندرية بمصر شهرة وأكبر عمود تذكاري روماني أُقيم خارج العاصمتين الإمبراطوريتين روما والقسطنطينية. بارتفاعه الكلي البالغ 26.85 متراً وجذعه المونوليتي من الغرانيت الأحمر الأسواني الذي يزن نحو 285 طناً، يسيطر هذا العمود على بانوراما حي كرموز ويمثّل أحد آخر الشهود النصبية على عظمة الإسكندرية الرومانية.

أُقيم العمود عام 297 م على التل حيث كان يقوم يوماً معبد سيرابيس المهيب، وكُرّس للإمبراطور دقلديانوس علامة على الامتنان لإنهائه حصار المدينة وتوزيعه القمح على السكان الجائعين. الاسم الشعبي «عمود بومبي» ثمرة لبس في العصور الوسطى من الصليبيين الذين، عند وصولهم الإسكندرية، نسبوا خطأً النصب للقائد الروماني بومبي، المهزوم والمقتول في مصر عام 48 ق.م.

التاريخ والسياق

السيرابيوم: المعبد المفقود

لفهم عمود السواري من الضروري معرفة السياق الذي أُقيم فيه. كان التل الذي يقوم عليه مشغولاً يوماً بالسيرابيوم، المعبد الكبير المكرس للإله سيرابيس، إله توفيقي ابتكره البطالمة لتوحيد التقاليد الدينية المصرية واليونانية. كان السيرابيوم أحد أهم المجمعات الدينية في العصور القديمة، يماثل في الفخامة بارثينون أثينا.

بُني المعبد الأصلي تحت بطليموس الثالث في القرن الثالث ق.م. ووُسِّع وزُيِّن لاحقاً من قبل الرومان. احتوى تمثالاً ضخماً لسيرابيس من الخشب والعاج والمعادن الثمينة، وآوى ما يُعرف بـ«المكتبة الابنة» لمكتبة الإسكندرية الكبرى، مجموعة ثانوية من نحو 42,800 لفيفة بردي مخصصة للاستخدام العام.

التدمير وإقامة العمود

دُمِّر السيرابيوم عام 391 م بأمر من الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، في إطار سياسته لقمع العبادات الوثنية. نُفِّذ التدمير من قبل البطريرك المسيحي ثيوفيلوس السكندري وميّز رمزياً نهاية العصر الوثني في المدينة. من البنية الأصلية نجا القليل من الغضب الأيقوني المدمر.

عمود السواري، المُقام قبل نحو قرن من تدمير المعبد، نجا على الأرجح لأنه كُرِّس لإمبراطور وليس لإله وثني. بقاؤه يجعله اليوم أهم عنصر معماري ناجٍ من المجمع القديم للسيرابيوم.

النقش التكريسي

عند قاعدة العمود مُنقَش نص باليونانية يقول: «إلى دقلديانوس، أعدل الأباطرة، راعي الإسكندرية، بوستوموس، حاكم مصر، كرّس هذا العمود.» سمح هذا النقش بتأريخ النصب بدقة وبدحض نسبته لبومبي نهائياً، خطأ بقي مع ذلك متجذراً في التسميات الجغرافية والتقليد الشعبي.

الخصائص المعمارية

الجذع المونوليتي

جذع العمود كتلة واحدة من الغرانيت الأحمر القادم من محاجر أسوان بصعيد مصر. نقل هذا المونوليت البالغ نحو 285 طناً لأكثر من 900 كيلومتر على طول النيل ثم حتى الإسكندرية يمثّل بحد ذاته إنجازاً هندسياً ملحوظاً. يبلغ ارتفاع الجذع نحو 20.75 متراً وقطره عند القاعدة نحو 2.71 متر، ضيّقاً قليلاً نحو الأعلى.

سطح الغرانيت، المصقول بعناية فائقة، لا يزال يحفظ بريقه المحمر رغم نحو ألفي عام من التعرض للعوامل الجوية. تخلق العروق الطبيعية للحجر ألعاب ضوء تتغير بزاوية الشمس، مانحة العمود مظهراً مختلفاً في كل ساعة من النهار.

التاج والقاعدة

التاج الكورنثي الذي يتوّج العمود منحوت في كتلة الغرانيت ذاتها للجذع، تفصيل تقني يضيف تعقيداً إضافياً للإنجاز. أوراق الأقنثة في التاج، رغم تآكلها بالزمن، لا تزال قابلة للتمييز وتشهد على مهارة نحّاتي الحجر.

تستند قاعدة العمود على قاعدة مكوّنة من كتل غرانيت وحجر جيري قادمة جزئياً من معبد سيرابيس، تفصيل يرمز للاستمرارية بين القديم والجديد. تمثالا أبي الهول من الغرانيت الوردي من العصر البطلمي، اكتُشفا خلال الحفريات الأثرية، وُضعا على جانبي القاعدة، مُضيفَين لمسة من الغموض المصري للنصب الروماني.

الأنفاق تحت الأرض

تحت وحول تل العمود يمتد نظام من الأنفاق تحت الأرض كانت جزءاً من مجمع السيرابيوم. هذه الأنفاق، القابلة للاستكشاف جزئياً، احتوت كوّات لدفن ثيران أبيس المقدسة، التي دُمِجت عبادتها في تبجيل سيرابيس. الكوّات، المحفورة في الصخر، لا تزال تحفظ آثار الزخارف الأصلية.

خدمت الأنفاق أيضاً كمسارات موكبية لكهنة المعبد، الذين استخدموا ممرات خفية لخلق مؤثرات مشهدية خلال المراسم الدينية، كـ«الظهور» العجائبي المزعوم لتمثال الإله.

الاستكشافات والدراسات

الأوصاف الأولى

وُصِف العمود من قبل رحالة عديدين عبر القرون. حدده الصليبيون الوسطاء خطأً كمكان دفن بومبي، أسطورة انتشرت بسرعة في كل أوروبا. قدّم الرحالة العربي الإدريسي في القرن الثاني عشر وصفاً دقيقاً له، وقاس الدبلوماسي الفرنسي بنوا دو مايّيه في القرن الثامن عشر أبعاده لأول مرة بأساليب علمية.

الحفريات الأثرية

بدأت الحفريات المنهجية للمنطقة في القرن التاسع عشر واستمرت طوال القرن العشرين. تشمل أهم الاكتشافات أساسات معبد سيرابيس والأنفاق تحت الأرض بكوّات ثيران أبيس وشظايا الكسوة الرخامية للمعبد وتماثيل نذرية. المقياس النيلي المرتبط بالمعبد، المُستخدَم لقياس مستوى فيضانات النيل، رُمِّم جزئياً.

المنطقة الأثرية

الحديقة الأثرية

حُوِّلت المنطقة المحيطة بالعمود إلى حديقة أثرية تسمح باستكشاف أطلال السيرابيوم. كتل الغرانيت والشظايا المعمارية المتناثرة على الأرض تعطي فكرة عن أبعاد المعبد الأصلي. تمثالا أبي الهول البطلميان، واحد من الغرانيت الأحمر وواحد من الغرانيت الرمادي، من أكثر القطع تصويراً في الموقع.

تقدّم الحديقة أيضاً منظراً بانورامياً على الإسكندرية، بمئذنة مسجد أبي العباس مرئية بعيداً والبحر المتوسط يشكّل الخلفية. عند الغروب، حين يُبرز الضوء المائل اللون الأحمر للغرانيت، يكتسب العمود مظهراً مصوّراً بشكل خاص.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

يقع عمود السواري في حي كرموز، جنوب غرب وسط الإسكندرية. يمكن الوصول إليه بسيارة أجرة أو بترام المدينة. أقرب محطة تبعد نحو عشر دقائق سيراً. تقع سراديب كوم الشقافة على بُعد دقائق قليلة سيراً ودمج الزيارتين موصى به بشدة.

المدة والفترة

تتطلب زيارة المنطقة الأثرية نحو ساعة. الموقع في الهواء الطلق، لذلك يُنصح بزيارته في ساعات الصباح لتجنب الحرارة الشديدة للظهيرة، خاصة في أشهر الصيف. أفضل فترة من أكتوبر إلى أبريل، حين تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً.

اقتراحات للتصوير

أفضل لحظة لتصوير العمود في الصباح الباكر أو بعد الظهر المتأخر، حين يُبرز الضوء الدافئ اللون المحمر للغرانيت. الزاوية من الأسفل نحو الأعلى تؤكد ضخامة النصب وتخلق تبايناً درامياً مع السماء. لا تنسوا تصوير أبي الهول ومدخل الأنفاق تحت الأرض أيضاً.

دمج الزيارات

بعد عمود السواري، زوروا سراديب كوم الشقافة القريبة، البعيدة بالكاد 500 متر. أكملوا اليوم بالمتحف القومي بالإسكندرية للإعجاب بالقطع المكتشفة في منطقة السيرابيوم والفهم الأفضل للتاريخ الألفي لهذه المدينة الاستثنائية.

عمود السواري، في بهائه المنعزل، نصب لمرونة التاريخ. بعد نجاته من تدمير المعبد الذي أحاط به ومن الزلازل والحروب والقرون، يستمر في الارتفاع على تل الإسكندرية كمنارة ذكرى، رابطاً الحاضر بعظمة مصر الرومانية.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب