قطع أثرية معروضة في قاعات متحف ملوي
متحف 4/5

متحف ملوي

متحف إقليمي في محافظة المنيا يحفظ قطعًا أثرية استثنائية من الأشمونين وتونة الجبل، من مومياوات الحيوانات المقدسة إلى البورتريهات الجنائزية اليونانية الرومانية.

متحف ملوي: كنوز مصر الوسطى بين التاريخ والنهضة

متحف ملوي هو أحد أهم المتاحف الإقليمية في مصر، مؤسسة ثقافية صغيرة لكن ثمينة تحفظ قطعًا أثرية قادمة من المواقع الأثرية الغنية جدًا في مصر الوسطى، خاصة من الأشمونين القديمة (هرموبوليس ماجنا) ومن جبانة تونة الجبل. يقع في مدينة ملوي، في محافظة المنيا، على بُعد نحو 300 كيلومتر جنوب القاهرة، ويروي المتحف قصة آسرة تعبر آلاف السنين من الحضارة، وعرف في السنوات الأخيرة فصولًا مأساوية من الدمار والنهضة.

تأسس متحف ملوي عام 1963، وصُمم لجمع وحماية القطع الأثرية القادمة من الحفريات الأثرية التي أُجريت في المنطقة المحيطة، وهي إحدى أغنى مناطق مصر من حيث التراث الثقافي. تضم مجموعاته أكثر من ألف قطعة تمتد من الدولة القديمة إلى العصر الروماني، مقدمةً مقطعًا كاملاً للحضارة التي ازدهرت في هذا الجزء من وادي النيل.

مجموعات المتحف

آثار الأشمونين

كانت الأشمونين، المعروفة قديمًا بهرموبوليس ماجنا، إحدى أهم مدن مصر القديمة، ومركز عبادة الإله تحوت، إله الحكمة والكتابة والقمر. يحفظ المتحف العديد من القطع الأثرية القادمة من هذا الموقع، من بينها لوحات نذرية وتماثيل وأجزاء معمارية وأدوات طقسية تشهد على ثراء وأهمية عبادة تحوت.

من بين أبرز القطع تماثيل من الحجر الجيري والجرانيت للإله تحوت في هيئته كطائر أبو منجل وفي هيئته كقرد البابون، التجسيدان الحيوانيان للإله. توضح هذه القطع التنوع الأيقوني الذي كان يُمثَّل ويُعبَد به الإله. وتوثق أجزاء من الأعمدة والتيجان القادمة من معابد الأشمونين مراحل البناء المختلفة للمدينة، من العصر الرمسيسي إلى العصر البطلمي.

يحفظ المتحف أيضًا برديات يونانية مهمة عُثر عليها في منطقة الأشمونين. تشمل هذه الوثائق، المحررة باليونانية والديموطيقية، عقودًا ورسائل ونصوصًا إدارية وأجزاء أدبية تلقي الضوء على الحياة اليومية للسكان متعددي الأعراق الذين سكنوا المدينة في العصرين البطلمي والروماني.

مومياوات الحيوانات المقدسة في تونة الجبل

المجموعة الأشهر والأكثر إثارةً في المتحف هي بلا شك مجموعة مومياوات الحيوانات المقدسة القادمة من سراديب تونة الجبل، جبانة الأشمونين. كانت الأروقة الجوفية في تونة الجبل تحتوي على عشرات الآلاف من مومياوات طيور أبو منجل وقرود البابون، الحيوانات المقدسة للإله تحوت، التي أودعها المؤمنون كقرابين نذرية على مدى قرون عدة.

يعرض المتحف نماذج من مومياوات البابون المحضرة بعناية، الملفوفة بأربطة من الكتان والموضوعة في توابيت من الحجر الجيري. كانت هذه المومياوات تُنتَج بكميات كبيرة على يد كهنة معبد تحوت: كان المؤمنون يشترون مومياء، ويسجلون عليها صلاة أو أمنية، ويودعونها في السراديب كقربان للإله. بلغت ظاهرة تحنيط الحيوانات المقدسة أبعادًا صناعية في العصرين المتأخر والبطلمي، وسراديب تونة الجبل من أوسع ما اكتُشف على الإطلاق.

إلى جانب مومياوات البابون، يعرض المتحف مومياوات طيور أبو منجل — طيور ذات منقار طويل منحنٍ، مقدسة هي أيضًا لتحوت — محفوظة في جرار من الفخار أو ملفوفة بأربطة متقنة. كشفت دراسات حديثة أُجريت بتقنيات التصوير أن المومياوات لا تحتوي جميعها على بقايا حيوانية كاملة: بعضها يحتوي فقط على أجزاء من العظام أو الريش، شاهدًا على الإنتاج المتسلسل لهذه القرابين النذرية لتلبية طلب الحجاج.

البورتريهات الجنائزية اليونانية الرومانية

قسم آخر بالغ الأهمية في المتحف مكرس للبورتريهات الجنائزية من العصر اليوناني الروماني، الشبيهة ببورتريهات الفيوم الشهيرة. كانت هذه اللوحات المرسومة على ألواح خشبية، المنفذة بتقنية الإنكوستيك (أصباغ ممزوجة بالشمع المنصهر)، توضع على وجه المومياوات وتمثل المتوفين بواقعية مدهشة تجعلها من أقدم البورتريهات الفردية في تاريخ الفن.

تُظهر البورتريهات المعروضة في ملوي رجالًا ونساءً من الطبقتين الوسطى والعليا في مصر الرومانية، بتسريحات شعر وحلي وملابس تعكس موضات القرن الأول إلى الثالث الميلادي. الوجوه مرسومة بكثافة تعبيرية لافتة، بعيون داكنة كبيرة وملامح تمزج السمات المصرية باليونانية الرومانية، شاهدةً على المجتمع متعدد الثقافات في مصر الإمبراطورية.

التماثيل والأدوات الطقسية

يضم المتحف أيضًا مجموعة متنوعة من التماثيل والتمائم والأوشابتي (التماثيل الجنائزية) والأواني الكانوبية وأدوات الاستخدام اليومي القادمة من جبانات المنطقة. ومن المثير للاهتمام بشكل خاص أوشابتي الفاينس الأزرق والأخضر، وهي تماثيل صغيرة مخصصة للعمل بدلاً من المتوفى في العالم الآخر، تُظهر تنوعًا لافتًا في الأساليب ومستويات الجودة.

تشكل اللوحات الجنائزية، المصرية واليونانية الرومانية على حد سواء، نواة مهمة أخرى للمجموعة. تمثل هذه الألواح الحجرية المنحوتة والمرسومة أحيانًا المتوفى في حضرة الآلهة، وتحمل نقوشًا تقدم معلومات ثمينة عن الأنساب المحلية وعن المعتقدات الجنائزية في العصور المختلفة.

نهب 2013 والنهضة

المأساة

في 14 أغسطس 2013، في سياق الاضطرابات السياسية العنيفة التي هزت مصر بعد عزل الرئيس مرسي، تعرض متحف ملوي للاقتحام والنهب على يد حشد من الناس. في ساعات قليلة، سُرقت مئات القطع الأثرية، وحُطمت خزائن العرض، ودُمرت القاعات. يُقدَّر أن نحو 1050 قطعة سُرقت، بما في ذلك بعض أثمن مومياوات الحيوانات المقدسة والبورتريهات الجنائزية. وتسبب الحريق الذي أُضرم في المبنى بأضرار إضافية للقطع المتبقية.

أثار خبر النهب الاستياء والحزن في المجتمع الدولي لعلماء المصريات ومحبي التراث الثقافي. وأصبح متحف ملوي رمزًا لهشاشة التراث الأثري المصري في أوقات عدم الاستقرار السياسي.

الاسترداد والترميم

في الأشهر والسنوات التالية للنهب، انخرطت السلطات المصرية والمجتمع المحلي في عمل استرداد أعطى نتائج مذهلة. بفضل عمليات الشرطة وتعاون المواطنين وعمل الجمارك، استُردت نحو 950 من القطع المسروقة الـ1050. وأُعيد العديد من القطع طوعًا من قبل سكان المنطقة أنفسهم، مما يدل على ارتباط عميق للسكان المحليين بتراثهم الثقافي.

خضع المتحف لمشروع ترميم طموح، موّلته الحكومة المصرية بدعم من منظمات دولية. شملت الأعمال إعادة بناء قاعات العرض بالكامل، وتركيب خزائن عرض أمنية جديدة، وتحديث أنظمة الإضاءة والتكييف، وتصميم مسار متحفي حديث بلوحات معلومات ثنائية اللغة بالعربية والإنجليزية.

أعاد المتحف فتح أبوابه للجمهور عام 2015، مجددًا بالكامل وبتصميم يبرز المجموعات بشكل أكثر فاعلية مقارنة بالماضي. احتُفي بنهضة متحف ملوي كمثال على المرونة الثقافية والالتزام الجماعي بحماية التراث.

السياق الأثري: الأشمونين وتونة الجبل

لفهم أهمية متحف ملوي بشكل كامل، من الضروري معرفة المواقع التي تأتي منها قطعه الأثرية. كانت الأشمونين لآلاف السنين أحد أهم المراكز الدينية والفكرية في مصر. وفقًا لكوزموغونيا الأشمونين، كان هنا بالضبط أن ثماني آلهة بدائية — الثامون — انبثقت من الفوضى الأولى لتبدأ الخلق. كان لهذا التقليد اللاهوتي تأثير عميق على الديانة المصرية وعلى الفلسفة اليونانية التي اشتقت منها.

تونة الجبل، جبانة الأشمونين، هي أحد أكثر المواقع الجنائزية إبهارًا في مصر. إلى جانب سراديب الحيوانات المقدسة، يضم الموقع جبانة يونانية رومانية بمقابر ضخمة مزينة بجداريات تمزج الأيقونية المصرية واليونانية الرومانية، من بينها مقبرة بيتوزيريس الشهيرة، كبير كهنة تحوت في القرن الرابع قبل الميلاد.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

تقع ملوي على طول خط السكة الحديدية الرئيسي القاهرة-الأقصر ويمكن الوصول إليها بالقطار من كلتا المدينتين. تستغرق رحلة القطار من المنيا، أقرب مدينة عاصمة، نحو ساعة. كبديل، يمكن الوصول إلى ملوي بسيارة أجرة أو ميكروباص من المنيا. يقع المتحف في وسط المدينة ويسهل الوصول إليه سيرًا على الأقدام من محطة القطار.

التذاكر والمواعيد

المتحف مفتوح من الساعة 9:00 إلى 16:00 كل يوم باستثناء الجمعة. تكلفة التذكرة زهيدة جدًا. يمكن دمج زيارة المتحف مع رحلات إلى الأشمونين وتونة الجبل وبني حسن، لإنشاء برنامج غني من يوم أو يومين في مصر الوسطى.

ماذا تحضر

لزيارة المتحف لا حاجة لمعدات خاصة. إذا كنت تنوي زيارة المواقع الأثرية المحيطة أيضًا، أحضر حذاءً مريحًا وماءً وواقيًا من الشمس ومصباحًا يدويًا لاستكشاف سراديب تونة الجبل. يضم المتحف مكتبة صغيرة يمكن فيها شراء منشورات عن مواقع المنطقة.

نصائح للتصوير

التصوير مسموح عمومًا داخل المتحف دون استخدام الفلاش. البورتريهات الجنائزية ومومياوات الحيوانات المقدسة هي الموضوعات الأكثر ملاءمة للتصوير. للحصول على أفضل النتائج، استخدم عدسة ساطعة واستغل ضوء خزائن العرض لتجنب الانعكاسات غير المرغوبة على الزجاج.

يمثل متحف ملوي أكثر بكثير من مجرد مجموعة قطع أثرية: إنه رمز صمود مجتمع عرف كيف يحمي ويسترد تراثه الثقافي حتى في أصعب الظروف. زيارته تعني تكريم هذه المرونة واكتشاف صفحة قليلة الشهرة لكنها غنية بشكل استثنائي من الحضارة المصرية.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب