كورنيش بورسعيد بعمارته الاستعمارية المميزة والقناة في الخلفية
مدينة تاريخية 4.2/5

بورسعيد

المدينة المينائية النابضة بالحياة عند المصب الشمالي لقناة السويس، تأسست عام 1859، غنية بالعمارة الاستعمارية والتاريخ البحري.

بورسعيد: بوابة قناة السويس على المتوسط

بورسعيد، كما تُعرف دوليًا، مدينة فريدة في البانوراما المصرية. تأسست عام 1859 بمناسبة بدء أعمال بناء قناة السويس، وتنتصب هذه المدينة المينائية عند المصب الشمالي للقناة، حيث تلتقي مياه المتوسط بمدخل أحد أهم الممرات المائية في العالم. وعلى خلاف مدن مصر الفرعونية ذات الآلاف من السنين، فإن بورسعيد مدينة فتية نسبيًا، لكنها تملك سحرًا خاصًا مرتبطًا بتاريخها الكوزموبوليتاني، وعمارتها الانتقائية، ودورها الاستراتيجي في التجارة العالمية.

تقوم المدينة على شريط من الأرض الرملية بين البحر المتوسط وبحيرة المنزلة، خالقةً مشهدًا حضريًا فريدًا حيث الماء حاضر في كل مكان. ويروي مركزها التاريخي، بمبانيه ذات الشرفات الخشبية والواجهات المزخرفة، قصة مدينة كانت لعقود ملتقى للثقافات واللغات والتجارات.

التأسيس: مدينة وُلدت من القناة

ميلاد بورسعيد مرتبط ارتباطًا لا ينفصم بمشروع قناة السويس. فحين بدأ فرديناند دو ليسبس وشركته العالمية لقناة السويس البحرية الأعمال عام 1859، لم يكن الموقع الذي ستقوم عليه المدينة سوى امتداد من الرمل والمستنقعات. وقادت ضرورة إنشاء ميناء عند الطرف المتوسطي للقناة إلى تأسيس مستوطنة أخذت اسمها من والي مصر محمد سعيد باشا، راعي مشروع القناة.

بُنيت المباني الأولى بمواد مستوردة من أوروبا، ونمت المدينة سريعًا متبعةً مخططًا حضريًا عقلانيًا مستوحى من النماذج الأوروبية في تلك الحقبة. وجعلت شوارع واسعة مظللة بالأشجار، وميادين منظمة، وكورنيش أنيق من بورسعيد إحدى أحدث مدن مصر في القرن التاسع عشر. ونما السكان أُسِّيًا، جاذبًا العمال والتجار والمغامرين من كل حوض المتوسط: امتزج اليونانيون والإيطاليون والفرنسيون والمالطيون والأرمن والشوام بالسكان المصريين المحليين، خالقين نسيجًا اجتماعيًا كوزموبوليتانيًا نابضًا بالحياة.

منارة بورسعيد

من أشهر معالم المدينة كانت منارة بورسعيد الكبيرة، التي تُعد إحدى أوائل المنارات الحديثة المبنية في شرق المتوسط. وأُقيمت المنارة الأصلية عام 1869 بمناسبة افتتاح القناة، وكانت بنية مهيبة ترشد السفن نحو مدخل القناة. وكانت تعمل بالغاز في البداية، ثم كُهرِبت لاحقًا وصارت رمزًا أيقونيًا للمدينة.

مرت المنارة بمراحل عدة من إعادة البناء والترميم على مر العقود، متكيفةً مع المتطلبات المتنامية للملاحة الحديثة. وكان نورها يُرى من مسافة بعيدة، عاملًا كنقطة مرجعية أساسية للسفن التي تقترب من مصب القناة ليلًا. وحتى اليوم، يظل نظام الإشارات البحرية في بورسعيد أساسيًا لسلامة الملاحة عند مدخل القناة.

العمارة الاستعمارية

التراث المعماري لبورسعيد أحد أثمن كنوزها وأقلها شهرة. وتحفظ المدينة كثيرًا من مباني الحقبة الاستعمارية التي تمثل عينة استثنائية من الطُرز المعمارية الأوروبية المكيَّفة مع السياق المتوسطي الشرقي. وتقدم واجهات مباني المركز التاريخي مزيجًا ساحرًا من الطراز الكلاسيكي الجديد، والآرت نوفو، والآرت ديكو، بشرفات خشبية منحوتة مميزة، ومصاريع خضراء، وزخارف من الجص.

مبنى شركة قناة السويس القديمة، بواجهته المهيبة وقاعاته الداخلية الغنية بالزخرفة، من أهم أمثلة العمارة المؤسسية في تلك الحقبة. وعلى طول شارع التجارة، لا تزال المباني التجارية من مطلع القرن العشرين تحفظ اللافتات متعددة اللغات التي تشهد على الطابع الكوزموبوليتاني للمدينة.

تشكّل الكاتدرائية الكاثوليكية، والكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، والمساجد التاريخية للمدينة فسيفساء دينية تعكس التنوع الثقافي لبورسعيد. وللأسف، يعاني كثير من هذه المباني التاريخية من سوء الصيانة ويحتاج بشدة إلى الترميم، لكن عدة مبادرات محلية ودولية تعمل على الحفاظ على هذا التراث الفريد.

المتحف القومي ببورسعيد

المتحف القومي ببورسعيد محطة لا غنى عنها لزائر المدينة. ويقع قرب الكورنيش، ويستضيف المتحف مجموعة متنوعة تغطي تاريخ المنطقة من الحقبة الفرعونية حتى العصور الحديثة. ومن أهم المقتنيات قطع أثرية عُثر عليها في المواقع الأثرية بشرق الدلتا، وأشياء من الحقبة اليونانية الرومانية قادمة من بيلوزيوم القريبة، وتوثيق غني عن بناء قناة السويس.

القسم المخصص للتاريخ الحديث للمدينة مثير بوجه خاص، بصور قديمة، ووثائق أصلية، وخرائط تاريخية، ونماذج بحرية تروي تطور بورسعيد من معسكر عمل إلى مدينة كوزموبوليتانية. وقاعة مخصصة لأزمة السويس عام 1956 ومقاومة المدينة خلال العدوان الثلاثي، بمقتنيات حربية، وشهادات، وإعادة بناء للأحداث.

تمثال دو ليسبس والذاكرة المتنازَع عليها

عند مدخل القناة كان ينتصب قديمًا تمثال فرديناند دو ليسبس البرونزي الكبير، من عمل النحات الفرنسي إيمانويل فريميه، المفتتح عام 1899. وكان التمثال، بارتفاع يتجاوز ستة أمتار، يصوِّر دو ليسبس واقفًا بذراع ممدودة نحو القناة، كأنه يشير إلى اتجاه عمله العظيم. ولعقود، كان التمثال أكثر رموز بورسعيد قابلية للتمييز.

بعد تأميم القناة عام 1956 وأزمة السويس، أُزيل التمثال كفعل رمزي للتحرر من السيطرة الاستعمارية. وصارت إزالة التمثال حدثًا احتفل به السكان المحليون والحكومة المصرية بوصفه استعادة للسيادة الوطنية. وبقيت القاعدة فارغة لسنوات قبل تفكيكها نهائيًا. وكان مصير التمثال موضع جدل لعقود، رمزًا للتوترات بين الذاكرة الاستعمارية والكبرياء الوطنية.

أزمة السويس والنصب التذكاري للحرب

كانت بورسعيد في قلب الأحداث الدرامية لأزمة السويس عام 1956. فحين أمَّم الرئيس عبد الناصر القناة، شنت بريطانيا العظمى وفرنسا وإسرائيل عملية عسكرية ضد مصر. وقُصفت بورسعيد واجتيحت من القوات الإنجليزية الفرنسية في 5 نوفمبر 1956. وأبدى السكان المدنيون مقاومة شرسة، وعانت المدينة أضرارًا جسيمة. ويُحتفل بالثالث والعشرين من ديسمبر كل عام بوصفه اليوم الوطني لبورسعيد، إحياءً لذكرى تحرير المدينة.

النصب التذكاري للحرب، الواقع في مركز المدينة، يخلِّد ذكرى الشهداء خلال الأزمة ببنية ضخمة تضم مسلة ومتحفًا. وصارت حكايات مقاومة أهل بورسعيد جزءًا لا يتجزأ من السردية الوطنية المصرية وتمثل مصدر كبرياء عميق لسكان المدينة.

المنطقة الحرة والتجارة

بورسعيد مشهورة في كل مصر والعالم العربي بمنطقتها الحرة، التي أُنشئت عام 1975 كحافز اقتصادي لتنمية المدينة بعد إعادة فتح القناة. وتقدم المنطقة الحرة منتجات مستوردة بأسعار أدنى بكثير مقارنة ببقية البلاد، جاذبةً زوارًا من كل مصر ومن الدول المجاورة.

تبيع المتاجر الكبرى ومحلات المنطقة الحرة الإلكترونيات، والملابس ذات العلامات التجارية، والعطور، ومستحضرات التجميل، وسلع الترف بأسعار تنافسية. والتسوق في بورسعيد تجربة مميزة، بأسواقها المغطاة وشوارعها التجارية التي تنبض بالحياة خاصة في عطلات نهاية الأسبوع وأثناء الأعياد. وقد أسهمت المنطقة الحرة إسهامًا كبيرًا في الاقتصاد المحلي، خالقةً آلاف فرص العمل في قطاع التجارة والخدمات.

الحياة الثقافية والغذائية

تملك بورسعيد تقليدًا غذائيًا نابضًا بالحياة يعكس تاريخها متعدد الثقافات. وأطباق السمك الطازج من المتوسط هي اختصاص المدينة: حساء السمك، والسمك المشوي مع الأرز، وبلح البحر المحشو من أكثر الأطباق تقديرًا. وتقدم مطاعم الكورنيش مزيجًا مثاليًا من المطبخ الممتاز والإطلالة على القناة.

المدينة معروفة كذلك بتقليدها الموسيقي والمسرحي، بمهرجانات وفعاليات ثقافية تنبض بها أرجاء المركز التاريخي على مدار العام. وكرنفال بورسعيد، رغم كونه أقل شهرة من الأوروبية، حدث ملوّن وبهيج يجذب زوارًا من المدن المجاورة.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

يمكن بلوغ بورسعيد من القاهرة في نحو ثلاث ساعات بالسيارة عبر الطريق الصحراوي. وتنطلق حافلات منتظمة من محطة ترجمان بالقاهرة برحلات متكررة خلال النهار. ولا يوجد اتصال سككي مباشر فعال، لذا فالحافلة أو السيارة الخاصة أفضل الخيارات.

المسار المقترح

ابدأ الزيارة من الكورنيش، حيث يمكنك تأمل عبور السفن في القناة. تابع نحو المركز التاريخي لاكتشاف العمارة الاستعمارية وزُر المتحف القومي. ولا تفوِّت تنزهًا على طول شارع التجارة لتأمل المباني التاريخية. واختم بغداء من السمك في أحد مطاعم البحر.

ماذا تحضر

أحذية مريحة للتنزه في المركز التاريخي، وواقيًا شمسيًا، وقبعة، وكاميرا. وقد تكون نسمة البحر منعشة في أمسيات الشتاء، فأحضر سترة خفيفة. وللتسوق في المنطقة الحرة، أحضر نقدًا بالجنيه المصري والدولار الأمريكي.

اقتراحات عملية

أيام الجمعة تكون المدينة أهدأ، بينما أيام السبت أكثر الأيام ازدحامًا للتسوق في المنطقة الحرة. ولإطلالة رائعة على السفن الداخلة إلى القناة، تموضع عند الطرف الشمالي للمدينة، حيث يلتقي المتوسط بالقناة. وسوق السمك عند الفجر تجربة أصيلة للزوار الباكرين.

بورسعيد مدينة تفاجئ: بعيدًا عن الدوائر السياحية التقليدية في مصر، تقدم وجهًا مختلفًا وساحرًا للبلاد، حيث يتشابك التاريخ الحديث مع الحاضر في سياق بحري فريد من نوعه.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب