الممرّات تحت الأرضية لسيرابيوم سقارة مع التوابيت الضخمة لعجول أبيس
مقبرة 🏆 تراث اليونسكو 4.7/5

سيرابيوم سقارة

الجبانة الأثرية تحت الأرضية القديمة لعجول أبيس المقدّسة، أحد أكثر مواقع مصر القديمة غموضًا وسحرًا.

سيرابيوم سقارة: الجبانة الغامضة للعجول المقدّسة

يمثّل سيرابيوم سقارة، المعروف أيضًا باسم السيرابيوم، أحد أكثر المواقع الأثرية إثارة للحيرة والسحر في مصر بأكملها. ويقع هذا المجمّع تحت الأرضي في جبانة سقارة الواسعة، على بُعد نحو 30 كيلومترًا جنوب القاهرة، وقد خُصّص لدفن عجول أبيس، الحيوانات المقدّسة المعبودة بوصفها التجسيد الحيّ للإله بتاح، أهمّ آلهة منف. وقد علّم اكتشاف السيرابيوم عام 1850 على يد عالم الآثار الفرنسي أوغست ماريِت واحدة من أكثر صفحات تاريخ علم المصريات إثارة، وكشف للعالم مكانًا ذا أهمية دينية وثقافية استثنائية.

تضرب عبادة العجل أبيس بجذورها في أبعد عصور الحضارة المصرية، إذ ترجع على الأقل إلى الأسرة الأولى نحو عام 3000 قبل الميلاد. ولم يكن العجل أبيس، عند قدماء المصريين، حيوانًا مقدّسًا بسيطًا، بل تجلّيًا إلهيًا حقيقيًا على الأرض. وكان كل عجل أبيس يُعرَف من علامات محدّدة: ينبغي أن يكون أسود تمامًا مع بقعة بيضاء مثلّثة على الجبهة، وعلامة على هيئة نسر على الظهر، وجُعَل تحت اللسان. وعند موته كان العجل يُحنَّط بالعناية نفسها المخصّصة للفراعنة ويُدفن بمراسم ملكية في السيرابيوم.

اكتشاف أوغست ماريِت

الرحلة التي غيّرت التاريخ

وصل أوغست ماريِت إلى مصر عام 1850 مكلَّفًا باقتناء مخطوطات قبطية لمتحف اللوفر. غير أن عالم الآثار الفرنسي الشاب كان مهووسًا بفكرة مختلفة تمامًا. فقد قرأ أوصاف الجغرافي اليوناني سترابون الذي ذكر في القرن الأول قبل الميلاد جادةً تحفّها أبو الهول وتؤدّي إلى سيرابيوم منف. وعندما لاحظ ماريِت رأس أبو الهول يبرز من الرمال في صحراء سقارة، أدرك فورًا أنه على الطريق الصحيح.

بموارد محدودة وعزيمة لا تتزعزع، بدأ ماريِت التنقيب متتبّعًا اصطفاف تماثيل أبو الهول المطمورة. وواحدًا تلو الآخر، برزت التماثيل من الرمال، مشكّلةً درومس (ممرًّا) احتفاليًا بطول مئات الأمتار. وبعد أشهر من العمل تحت شمس الصحراء التي لا ترحم، بلغ ماريِت أخيرًا في 12 نوفمبر 1851 مدخل المجمّع تحت الأرضي. وفاق المشهد الذي تجلّى لعينيه كل خيال: متاهة من الأروقة المنحوتة في الصخر الحيّ، بتجاويف جانبية هائلة تحتضن توابيت أثرية ذات أبعاد هائلة.

أهمية الاكتشاف

كان اكتشاف السيرابيوم من أهم اكتشافات علم المصريات في القرن التاسع عشر. فلم يؤكّد المصادر الكلاسيكية القديمة فحسب، بل كشف جانبًا من العبادة الدينية المصرية كاد يُنسى تمامًا. وعثر ماريِت على لوحات نذرية وحُليّ وتمائم ونقوش أتاحت إعادة بناء التسلسل الزمني لدفن عجول أبيس عبر عدة قرون. وكان الاكتشاف من الأهمية بحيث قرّر ماريِت الاستقرار دائمًا في مصر، فصار لاحقًا مؤسس المتحف المصري بالقاهرة وأول مدير لمصلحة الآثار المصرية.

بنية المجمّع تحت الأرضي

الأروقة الرئيسية

يمتدّ السيرابيوم في منظومة من الأروقة تحت الأرضية المنحوتة في الصخر الجيري على بُعد أمتار عدة تحت سطح الصحراء. وينقسم المجمّع إلى قسمين رئيسيين: الأروقة الأقدم العائدة إلى العصر الرعمسيسي (الأسرة التاسعة عشرة، نحو 1300 قبل الميلاد)، والأروقة الأحدث المبنية خلال الأسرة السادسة والعشرين والعصر البطلمي (من القرن السابع إلى الأول قبل الميلاد).

تمتدّ الأروقة الأحدث، وهي المتاحة للزوار، على أكثر من 350 مترًا في الطول. والممرّ الرئيسي عرضه نحو 3 أمتار وارتفاعه أكثر من 4 أمتار، وفيه 24 تجويفًا جانبيًا هائلًا منحوتًا في الصخر، كلٌّ مخصّص لاحتضان تابوت واحد. والأجواء في الداخل مثيرة وشبه صوفية: يُضيء الضوء الصناعي جدران الحجر الجيري فيخلق لُعَب ظلال تُبرز فخامة المكان.

التوابيت الهائلة

أكثر عناصر السيرابيوم إبهارًا هي بلا شك التوابيت العملاقة التي تشغل التجاويف الجانبية. وهذه الحاويات الجنائزية الأثرية، المصنوعة من الجرانيت الأسود أو الجرانيت الوردي أو البازلت، تبلغ أبعادًا مذهلة: يبلغ كلٌّ منها نحو 4 أمتار طولًا و2.3 متر عرضًا و3.3 متر ارتفاعًا، بوزن إجمالي يُقدَّر بنحو 70 طنًا. أما الأغطية وحدها فتزن نحو 30 طنًا.

لا يزال إتقان صناعة هذه التوابيت يمثّل حتى اليوم لغزًا للباحثين. فالأسطح الداخلية والخارجية مصقولة بدقة بالمليمتر، والزوايا قائمة بإتقان، والتفاوتات البُعدية تضاهي ما يمكن الحصول عليه بآلات التشغيل الحديثة. وكيف نجح قدماء المصريين في نحت هذه الكتل الصخرية الهائلة ونقلها ووضعها في أروقة تحت أرضية يبقى سؤالًا مفتوحًا يغذّي النقاشات الأكاديمية والنظريات البديلة.

لغز التوابيت الفارغة

عندما فتح ماريِت التوابيت، وجدها فارغة كلها تقريبًا. ولم يُعثر إلا في واحد على مومياء عجل سليمة نسبيًا مع حُليّ وتمائم ذهبية. وقد أثار غياب البقايا في معظم التوابيت تكهّنات كثيرة. فيفترض بعض الباحثين أن التوابيت نُهبت في العصور القديمة، بينما يرى آخرون أنها لم تُستخدم كلها فعليًا للدفن. وتقترح نظرية مثيرة بوجه خاص أن الحاويات الضخمة كانت ذات وظيفة طقسية مختلفة عن الدفن البسيط، ربما مرتبطة بمراسم تحوّل روحي.

عبادة العجل أبيس

الأصول والمعنى الديني

عبادة العجل أبيس من أقدم عبادات الديانة المصرية وأكثرها استمرارًا. وكان العجل يُعتبر «با» (روح) الإله بتاح، خالق الكون بحسب اللاهوت المنفي. وعند موت عجل أبيس، كان يُعتقد أن جوهره الإلهي ينتقل فورًا إلى عجل جديد يولد في اللحظة نفسها، فيضمن بذلك استمرار الحضور الإلهي على الأرض.

كان العجل أبيس يعيش في الحرم المقدّس لمعبد بتاح بمنف، حيث يرعاه كهنة متخصّصون ويُطعَم أطعمة فاخرة ويزوره حجّاج من كل أنحاء مصر. وفي مناسبات بعينها كان العجل يُقاد في موكب عبر شوارع المدينة، وكان للناس أن يستشيروه عرّافًا: فاتجاه حركة العجل أو الطعام الذي يختاره كان يُفسَّر إجابات إلهية.

طقس الدفن

عند موت العجل أبيس، كانت مصر كلها تدخل فترة حداد تُضاهي الحداد على موت فرعون. وكان جسد الحيوان يُحمَل إلى مكان التحنيط المقدّس حيث يشرع الكهنة في التحنيط وفق طقوس دقيقة تستمر 70 يومًا، الفترة نفسها المقرّرة للملوك. وكان العجل يُنزَع أحشاؤه ويُعالَج بالنطرون ويُلَفّ بأربطة من الكتان الفاخر، مع تمائم واقية توضع بين طبقات اللفّ.

وكان موكب الجنازة الذي يصاحب العجل المحنَّط إلى السيرابيوم حدثًا بالغ المهابة. فيسير الموكب عبر الدرومس الاحتفالي الذي تحفّه أبو الهول، بمصاحبة كهنة يتلون صيغًا طقسية ويحرقون البخور. ويُنزَّل التابوت في التجويف المُعَدّ ويُختَم، بينما تُودَع القرابين النذرية واللوحات التذكارية في الجوار.

الاستكشافات الحديثة والاكتشافات الأخيرة

التقنيات في خدمة الآثار

في العقود الأخيرة، كان السيرابيوم موضوع تحقيقات جديدة أُجريت بتقنيات متطوّرة. فقد أتاحت عمليات المسح بالليزر ثلاثية الأبعاد إنشاء نماذج رقمية دقيقة للمجمّع تحت الأرضي بأكمله، كاشفةً تفاصيل معمارية فاتت الملاحظة من قبل. واقترحت التحاليل الجيوفيزيائية وجود أروقة وغرف أخرى لم تُستكشف بعد، ممّا غذّى الأمل في اكتشافات مذهلة مستقبلية.

أكّدت الدراسات المادّية على التوابيت أن الجرانيت يأتي من محاجر أسوان، على بُعد أكثر من 800 كيلومتر. كما كشفت التحاليل آثار أدوات نحاسية وحجرية استُخدمت في الصناعة، رغم أن الدقة المتحقّقة تبقى عسيرة التفسير بأدوات تلك الحقبة. وتُظهر بعض الأسطح تشطيبًا بالغ النعومة يوحي باستخدام تقنيات صقل متقدّمة لم تُفهَم بعد فهمًا تامًا.

النقاش الأكاديمي

لا يزال السيرابيوم في صميم نقاشات أكاديمية حيّة. وتتعلّق الأسئلة الرئيسية بالتسلسل الزمني الدقيق للدفن، وتقنيات صناعة التوابيت، والمعنى العميق لعبادة عجول أبيس في السياق الأوسع للديانة المصرية. وقد اقترح بعض الباحثين أن للسيرابيوم وظيفة فلكية أيضًا، مع ارتباط اصطفاف الأروقة بتشكيلات نجمية محدّدة، رغم أن هذه الفرضية تبقى مثار جدل.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

يقع السيرابيوم داخل جبانة سقارة، التي يمكن بلوغها من القاهرة في نحو 45 دقيقة بالسيارة. ويُنصَح بدمج الزيارة بزيارة هرم زوسر المدرّج وسائر آثار الجبانة لتحقيق أفضل استفادة من الوقت المتاح. ويمكن استئجار سيارة أجرة لليوم كاملًا أو المشاركة في جولة منظَّمة تشمل أيضًا منف القريبة.

ما الذي تتوقّعه

زيارة السيرابيوم تجربة فريدة ومثيرة. يُهبَط عبر منحدر مائل حتى الوصول إلى الأروقة تحت الأرضية، حيث تكون الحرارة أبرد محسوسًا من الخارج. والممرّات مُضاءة صناعيًا، لكن يُنصَح بحمل مصباح يدوي لتذوّق تفاصيل التوابيت على نحو أفضل. وتستغرق الزيارة عمومًا بين ساعة وساعتين، تبعًا للوقت المخصّص لتأمّل التوابيت المفردة والنقوش.

توصيات عملية

ارتدِ حذاءً مريحًا بنعل مانع للانزلاق، إذ قد تكون أرضية الأروقة زلقة. واحمل معك ماءً وقبّعة للمسار المكشوف بين مدخل الجبانة والسيرابيوم. والتصوير مسموح به عمومًا داخل الأروقة، لكن استخدام الفلاش ممنوع للحفاظ على أسطح التوابيت. وينبغي للزوار الذين يعانون رهاب الأماكن المغلقة تقييم الزيارة بعناية، إذ تقع الأروقة، على رحابتها، على أمتار عدة تحت الأرض، والمخرج الوحيد هو المدخل نفسه.

يقدّم سيرابيوم سقارة تجربة مختلفة تمامًا عن أهرامات الجيزة الأشهر. فهنا لا يُتأمّل الجلال الخارجي، بل يأسرك غموض ومهابة فضاء تحت أرضي حرس لآلاف السنين أسرار واحدة من أكثر عبادات مصر القديمة سحرًا. زيارة تترك أثرًا باقيًا وتدفع إلى التأمّل في تعقيد الحضارة المصرية وعمقها.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب