إطلالة بانورامية على جبّانة سقّارة الواسعة والهرم المدرّج في الخلفية
موقع أثري 🏆 تراث اليونسكو 4.9/5

جبّانة سقّارة

أوسع جبّانات مصر القديمة وأعرقها، حارسة هرم زوسر المدرّج والسرابيوم وآلاف المدافن التي تمتدّ على ثلاثة آلاف عام من التاريخ.

جبّانة سقّارة: ثلاثة آلاف عام من التاريخ في الصحراء

جبّانة سقّارة أوسع المواقع الجنائزية في مصر بأكملها وأعرقها وأهمّها. وقد خدمت هذه المدينة الاستثنائية للأموات، الممتدّة نحو 7 كيلومترات على امتداد الحافة الغربية للصحراء الليبية، مدفنًا لمنف القديمة، عاصمة مصر في عصر الدولة القديمة، طوال حقبة تمتدّ على أكثر من ثلاثة آلاف عام من التاريخ، من الأسرة الأولى حتى العصر الروماني. وهنا ينتصب هرم زوسر المدرّج، أعرق بنية حجرية ضخمة في تاريخ البشرية، إلى جانب مئات الأهرام والمصاطب والمقابر المنحوتة والمعابد التي تشكّل أرشيفًا لا بديل عنه للحضارة المصرية.

تدين سقّارة باسمها إلى الإله الجنائزي سوكر، المعبود في إقليم منف منذ أبعد العصور. ويقع الموقع نحو 30 كيلومترًا جنوب القاهرة، على الضفّة الغربية للنيل، في موضع كان في القديم متّصلًا استراتيجيًّا بالعاصمة منف عبر شبكة من الطرق الاحتفالية والقنوات. ولم يكن اختيار الضفّة الغربية للجبّانات اعتباطيًّا: فعند المصريين القدماء، كان الغرب مسكن الأموات، الموضع الذي تغرب فيه الشمس لتبدأ رحلتها الليلية عبر العالم السفلي.

تاريخ الجبّانة

النشأة: الأسرتان الأولى والثانية

تعود أعرق مدافن سقّارة إلى الأسرة الأولى (نحو 3100 ق.م.)، عند فجر الحضارة المصرية الموحَّدة. وتحتلّ مصاطب كبيرة من الطوب اللبن، تخصّ موظّفين وربّما حكّام الأسر الأولى أنفسهم، الحافة الشمالية للجبّانة. وتمثّل هذه المقابر، بواجهتها المحرابية المميّزة المعروفة بـ"واجهة القصر"، أولى محاولات العمارة الجنائزية الضخمة وتستبق منشآت الدولة القديمة الفخمة.

ومن أكثرها دلالةً المصاطب التي اكتشفها عالم الآثار والتر برايان إيمري في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وبعضها يضمّ مدافن خدم ضُحّي بهم لمرافقة السيّد إلى الآخرة، عادة مروّعة هُجرت بعد الأسرة الثانية.

الدولة القديمة: العصر الذهبي

تتزامن فترة أوج ازدهار سقّارة مع الدولة القديمة (نحو 2686-2181 ق.م.)، حين صارت الجبّانة المدفن الرئيس للأسرة المالكة ونخبة منف. وقد شكّل بناء هرم زوسر المدرّج، نحو 2667 ق.م.، بداية عصر الأهرام وحوّل سقّارة إلى أهمّ ورشة معمارية في مصر.

وبعد زوسر، اختار فراعنة آخرون سقّارة لأهرامهم. فالفرعون أوسركاف، مؤسّس الأسرة الخامسة، شيّد هرمه في الركن الشمالي الشرقي لحرم زوسر. وفضّل خلفاؤه، ساحورع ونفر إيركارع وغيرهما، موقع أبوصير القريب، لكن أوناس، آخر حكّام الأسرة الخامسة، عاد إلى سقّارة فبنى هرمه جنوب مجمّع زوسر مباشرةً.

متون الأهرام

يكتسي هرم أوناس أهمّية استثنائية في تاريخ الديانة المصرية: فجدرانه الداخلية تحتضن أعرق متون الأهرام، مجموعة من الصيغ الدينية والتعاويذ المخصّصة لإرشاد روح الفرعون في الآخرة. وتمثّل هذه المتون، المنقوشة بالهيروغليفية الخضراء على جدران بيضاء، أعرق مدوّنة أدبية دينية في البشرية وتشكّل الأساس الذي تطوّرت منه متون التوابيت وكتاب الموتى لاحقًا.

وتواصل تقليد متون الأهرام في أهرام فراعنة الأسرة السادسة بسقّارة: تتي وبيبي الأول ومرنرع وبيبي الثاني. ويضمّ كلّ من هذه الأهرام نسخًا مختلفة قليلًا من المتون، ممّا يتيح للباحثين تتبّع تطوّر الفكر الديني المصري عبر القرون.

هرم تتي

يستحقّ هرم الفرعون تتي، مؤسّس الأسرة السادسة، زيارة متعمّقة. ورغم أنه يبدو من الخارج كومة من الأنقاض، فالداخل محفوظ بدرجة مدهشة. وتحفظ حجرة الدفن، المكسوّة بالحجر الجيري الأبيض، تابوت الفرعون من البازلت، والجدران مغطّاة بمتون الأهرام المنقوشة ببراعة. وحول هرم تتي تقع بعض أجمل مصاطب الجبّانة بأكملها، منها مصطبتا الوزيرين مرروكا وكاجمني.

المصاطب الكبرى

مصطبة مرروكا

مصطبة مرروكا، وزير الفرعون تتي، أكبر مصاطب موقع سقّارة بأكمله وأغناها زخرفةً. وبغرفها الثلاث والثلاثين الموزّعة على مستويين، هذه المقبرة قصر جنائزي حقيقي تغطّي جدرانه آلاف المشاهد المنحوتة بالنحت البارز التي تصوّر كل جانب من جوانب الحياة في مصر القديمة.

وتضمّ مشاهد مصطبة مرروكا تصاوير للصيد وصيد السمك والزراعة والحرف والموسيقى والرقص والولائم والاحتفالات الدينية. ومن أكثرها إثارة للاهتمام مشهد يُظهر أفراس النهر منخرطة في عراك، يُعدّ أحد روائع النحت البارز في الدولة القديمة. ومشهد شهير آخر يُظهر مرروكا يرسم فصول السنة الثلاثة على حامل، أحد التصاوير النادرة لفنّان في عمله في الفن المصري.

مصطبة كاجمني

المجاورة لمصطبة مرروكا، تنافس مصطبة كاجمني، وزير تتي أيضًا، الأولى في جودة النقوش البارزة وحيويتها. ومشاهد الصيد وصيد السمك واقعية بنوع خاص، بتفاصيل استثنائية في تصوير الحيوانات والمشاهد النهرية. ومشهد شهير يُظهر تمساحًا يلتهم وليد فرس نهر، لحظة من الكثافة الطبيعية الدرامية النادرة في الفن المصري.

مصطبة تي

تُعدّ مصطبة تي، التي تعود إلى الأسرة الخامسة، أحد أهمّ معالم الدولة القديمة لجودة نقوشها البارزة. وكان تي موظّفًا رفيع الرتبة، مشرفًا على معابد الشمس وأهرام نفر إيركارع ونيوسر رع. وتحتضن جدران مقبرته بعض أشهر مشاهد الحياة اليومية في مصر القديمة، منها بناء المراكب وتشغيل المعادن وجمع البردي وإعداد الطعام.

السرابيوم

سراديب الثيران المقدّسة

السرابيوم بسقّارة أحد أكثر معالم مصر بأكملها غموضًا وإيحاءً. وقد اكتشفه أوغست مارييت عام 1851، وهو مجمّع جوفيّ واسع من الأروقة والحجرات المنحوتة في الصخر، مخصّص لدفن ثيران أبيس المقدّسة، المعتبرة تجسيدًا حيًّا للإله بتاح، راعي منف.

يعود عبادة الثور أبيس إلى الأسرة الأولى على الأقلّ ومورس على مدى أكثر من ثلاثة آلاف عام. وحين يموت ثور أبيس، كان جسده يُحنَّط بالعناية ذاتها المخصّصة للفراعنة ويُودَع في تابوت ضخم من الجرانيت أو البازلت داخل أروقة السرابيوم. ويزن كلّ تابوت بين 60 و80 طنًّا، ويشكّل نقلها ووضعها في الممرّات الجوفية لغزًا هندسيًّا لم يُحلّ حتى اليوم.

اكتشاف مارييت

بلغ أوغست مارييت السرابيوم متتبّعًا إشارة أدبية: فالجغرافي اليوناني سترابون كان قد ذكر طريقًا تكتنفه تماثيل أبي الهول يقود إلى مدفن الثيران المقدّسة. وبدأ مارييت الحفر في الرمل، وبعد أن اكتشف صفًّا من تماثيل أبي الهول نصف المدفونة، تتبّع الطريق الاحتفالي حتى مدخل السراديب. وكان اكتشاف السرابيوم أحد أعظم مغامرات علم المصريات في القرن التاسع عشر وكرّس مارييت أحد أهمّ علماء الآثار في عصره.

الاكتشافات الحديثة

النهضة الأثرية

عرفت سقّارة نهضة أثرية استثنائية في السنوات الأخيرة. فابتداءً من 2018، أعادت سلسلة من الاكتشافات المدوّية الموقع إلى بؤرة الاهتمام العالمي. وكشفت البعثة الأثرية المصرية بقيادة زاهي حواس ومصطفى وزيري عن مئات التوابيت السليمة التي تعود إلى العصر المتأخّر والعصر البطلمي، المدفونة في آبار يصل عمقها إلى 12 مترًا.

وفي 2020، شكّل اكتشاف أكثر من 100 تابوت من الخشب الملوّن، المُحكَمة الغلق والمحتوية على مومياوات جيّدة الحفظ، أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن الحادي والعشرين. وكانت هذه التوابيت، التي تعود إلى نحو 2500 عام، مزيّنة بمشاهد ملوّنة من كتاب الموتى وتحوي تمائم وأوشابتي وأشياء جنائزية أخرى.

المعبد الجنائزي للملكة نيارت

في 2021، كشفت الحفريات قرب هرم تتي عن المعبد الجنائزي للملكة نيارت، زوجة الفرعون، المجهولة سابقًا. ووسّع الاكتشاف بقدر كبير معرفتنا بالأسرة المالكة في الأسرة السادسة والممارسات الجنائزية لذلك العصر.

سراديب الحيوانات المقدّسة

إلى جانب السرابيوم، تحتضن سقّارة سراديب واسعة مخصّصة لحيوانات مقدّسة أخرى: قرود البابون المقدّسة لتحوت، وطيور أبو منجل المقدّسة للإله ذاته، والصقور المقدّسة لحورس، والقطط المقدّسة لباستت. وكشف اكتشاف ملايين المومياوات الحيوانية في هذه السراديب عن المقياس الهائل لعبادة الحيوانات في مصر المتأخّرة والبطلمية.

نصائح للزيارة

التخطيط

سقّارة موقع شاسع يتطلّب نصف يوم على الأقلّ لزيارة متعمّقة. ويُنصح بالوصول عند الفتح وتخطيط مسار يشمل على الأقلّ الهرم المدرّج ومصطبتي مرروكا وتي والسرابيوم. ويستطيع الزوّار الذين لديهم وقت أكبر استكشاف هرمي أوناس وتتي والمقابر الصغرى العديدة أيضًا.

كيفية الوصول

تقع سقّارة نحو 30 كيلومترًا جنوب القاهرة. وأيسر وسيلة للوصول إليها سيارة أجرة أو سيارة مستأجَرة. وتجمع بعض الجولات المنظَّمة زيارة سقّارة بزيارة منف ودهشور، مكوّنة مسارًا يغطّي أبرز مواقع إقليم منف.

ماذا تحمل

الموقع في معظمه في العراء ويقدّم ظلًّا قليلًا. احمل ماءً وفيرًا وواقيًا من الشمس وقبّعة وحذاءً مريحًا للسير على الرمل. ولزيارة المقابر الجوفية من المفيد حمل مصباح يدوي، وإن كان أغلبها مزوَّدًا بإضاءة صناعية. وقد تكون الأرض غير منتظمة وبعض المقابر تتطلّب صعود ونزول سلالم حادّة.

التذاكر

تشمل تذكرة الدخول العامة الوصول إلى أغلب المقابر المفتوحة والهرم المدرّج. ويتطلّب الدخول إلى السرابيوم وبعض المقابر الخاصّة تذاكر إضافية. ويتغيّر عدد المقابر المفتوحة للجمهور دوريًّا، إذ يناوب المجلس الأعلى للآثار الفتح لضمان حفظ المعالم.

سقّارة ليست مجرد موقع أثري: إنها كتاب مفتوح على تاريخ مصر القديمة، مكان يروي فيه كل حجر وكل نقش وكل ممرّ جوفيّ قصّةً تمتدّ على ثلاثة آلاف عام من الحضارة. وزيارتها تعني خوض رحلة في الزمن تقود من الماضي البعيد للأسر الأولى حتى عصر البطالمة، عابرةً أكثر لحظات تاريخ البشرية دلالةً.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب