المتحف المفتوح في ممفيس بتماثيله القديمة وبقايا العاصمة المصرية القديمة
موقع أثري 🏆 تراث اليونسكو 4.5/5

موقع ممفيس

أطلال العاصمة القديمة لمصر الموحَّدة، التي أسّسها الفرعون الأسطوري مينا قبل أكثر من 5000 عام.

ممفيس: أولى عواصم مصر الموحَّدة

ممفيس، التي تبقى ذكراها اليوم في قرية ميت رهينة المتواضعة، على بُعد نحو 20 كيلومترًا جنوب القاهرة، كانت لآلاف السنين أهمّ مدينة في مصر كلّها وإحدى أكبر حواضر العالم القديم وأكثرها نفوذًا. أُسِّست نحو 3100 قبل الميلاد على يد الفرعون الأسطوري مينا، أول ملوك مصر الموحَّدة، وخدمت ممفيس عاصمةً سياسية ودينية وإدارية طوال جزء كبير من التاريخ الفرعوني. واسمها المصري الأصلي، إنب-حدج («الجدران البيضاء»)، ثم من-نفر («ثابتة وجميلة») الذي اشتُقّ منه الاسم اليوناني ممفيس، يستحضران صورة مدينة مهيبة متألّقة باتت اليوم، للأسف، اختفت تقريبًا بالكامل تحت فيضانات النيل والمباني الحديثة.

موقع ممفيس الأثري، المُعلَن تراثًا عالميًا لليونسكو مع الجبّانات المحيطة، يقدّم اليوم للزوّار متحفًا مفتوحًا يحفظ، رغم تواضع أبعاده، شواهد لا تُقدَّر بثمن على عظمة المدينة الغابرة.

تاريخ ممفيس

التأسيس والدولة القديمة

بحسب التقليد الذي نقله المؤرّخ المصري مانيتون، أُسِّست ممفيس على يد الفرعون مينا (الذي يُماثله كثير من الباحثين بنعرمر)، الذي وحّد نحو 3100 قبل الميلاد مصر العليا والسفلى تحت تاج واحد. وتروي الأسطورة أن مينا حرّف مجرى النيل ليُهيّئ المساحة اللازمة لبناء عاصمته الجديدة، عملٌ هندسي مهيب لو ثبت لشهد منذ الأصول على القدرة التنظيمية الاستثنائية للحضارة المصرية.

اختير موقع ممفيس بذكاء استراتيجي: إذ تقع عند قمّة دلتا النيل، حيث يبدأ النهر بالتفرّع إلى أذرعه، فكانت المدينة تتحكّم في طرق المواصلات النهرية نحو المتوسط وفي طرق التجارة نحو مصر العليا معًا. وجعلها هذا الموقع ملتقى طبيعيًا للتجارة والمواصلات والسيطرة العسكرية على البلاد كلّها.

خلال الدولة القديمة (2686-2181 قبل الميلاد)، بلغت ممفيس أوّل أوجها. وكانت مقرّ البلاط الفرعوني خلال الأُسَر الكبرى لبُناة الأهرامات، من الأسرة الثالثة إلى السادسة. وقد بُنيت أهرامات الجيزة وسقّارة ودهشور وأبو صير جميعها جبّاناتٍ للعاصمة، صُفّت على طول الحافّة الغربية لوادي النيل على بُعد كيلومترات قليلة من المدينة. ويشهد امتداد هذه الجبّانات على نحو غير مباشر على عظمة ممفيس وثروتها خلال هذه الحقبة.

عبادة بتاح

كانت ممفيس قبل كل شيء مدينة الإله بتاح، أحد أهمّ آلهة البانثيون المصري. وكان بتاح الإله الخالق بحسب لاهوت ممفيس: فبفكر قلبه وكلمة لسانه أوجد كل الكائنات والأشياء. وكان معبده الكبير، حوت-كا-بتاح («مسكن كا بتاح»)، أحد أكبر معابد مصر كلّها وأغناها. ومن الطريف أن الكلمة اليونانية أيغيبتوس، ومن ثَمّ الاسم الحديث «مصر/إيجيبت»، قد تكون مشتقّة من اسم هذا المعبد.

وُسِّع معبد بتاح وجُدّد باستمرار على مرّ الألفيات. وأضاف رمسيس الثاني خاصة منشآت ضخمة خلال الأسرة التاسعة عشرة. وكان كهنة بتاح يتمتّعون بنفوذ هائل، وكان كاهنهم الأكبر من أقوى شخصيات الهرمية الرسمية كلّها. وكانت عبادة العجل أبيس، التجسّد الحيّ لبتاح، مركزها في ممفيس بالذات، وكانت الثيران المقدّسة تُدفن في سرابيوم سقّارة الشهير.

الأوج والانحدار

حافظت ممفيس على أهمّيتها عبر تقلّبات التاريخ المصري. وحتى حين نُقلت العاصمة إلى طيبة خلال الدولة الحديثة، بقيت ممفيس مدينةً ذات أهمّية إدارية ودينية بالغة. وفي عهد الرعامسة عرفت المدينة فترة ثانية من البهاء العظيم، ببناء المعابد والقصور والآثار الهائلة.

بدأ انحدار ممفيس مع تأسيس الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر سنة 331 قبل الميلاد. فالعاصمة الجديدة، المطلّة على المتوسط والمفتوحة على العالم اليوناني، اجتذبت تدريجيًا السكان والتجارة والاستثمارات التي كانت من قبل تتّجه إلى ممفيس. وفي عهد البطالمة ثم الرومان، فقدت ممفيس دورها المركزي شيئًا فشيئًا، وإن ظلّت تحتضن احتفالات دينية مهمّة.

وجاءت الضربة النهائية مع الفتح العربي في القرن السابع الميلادي. فقد فُكّكت حجارة معابد ممفيس وقصورها على نحو منهجي ونُقلت إلى القاهرة لبناء المساجد والقصور والتحصينات. وعلى مرّ القرون التالية، غطّت فيضانات النيل تدريجيًا بقايا المدينة بطبقات من الطمي الخصيب، وتطوّرت قرية ميت رهينة الزراعية فوق الأطلال مباشرة. واليوم تقبع الغالبية العظمى من ممفيس القديمة مدفونةً تحت الحقول المزروعة والمساكن الحديثة، ما يجعل الحفائر الواسعة مستحيلة.

المتحف المفتوح

الفضاء العرضي

يُنظَّم موقع ممفيس الأثري المتاح للزيارة متحفًا مفتوحًا يشغل مساحة محدودة نسبيًا في قرية ميت رهينة. وأُنشئ المتحف في القرن العشرين لجمع أبرز اللُّقى التي ظهرت من الحفائر العَرَضية في المنطقة وحمايتها. وتنقسم منطقة العرض إلى حديقة مفتوحة تُصفّ فيها التماثيل واللوحات والتوابيت والعناصر المعمارية، ومبنى مسقوف يحتضن أشهر قطعة في المجموعة.

أبو الهول المرمري

من بين اللُّقى المعروضة في حديقة المتحف، أبو الهول المرمري هو حتمًا الأكثر سحرًا. منحوتٌ من كتلة واحدة من المرمر الكلسيتي، يزن أبو الهول هذا نحو 80 طنًا ويبلغ طوله نحو 8 أمتار بارتفاع 4 أمتار. وتأريخه غير مؤكّد: إذ نُسب إلى فراعنة شتّى، من أمنحتب الثاني إلى حتشبسوت، لكنّ غياب النقوش يجعل تحديده النهائي مستحيلًا.

يتميّز أبو الهول ممفيس عن أبي الهول المصري الآخر بالمادة المستعملة: المرمر، حجر شفّاف ثمين، نادرًا ما استُعمل لمنحوتات بهذه الأبعاد. والصنعة مُتقَنة: الوجه الهادئ المثالي، وغطاء الرأس النمس المفصّل بدقّة، والكفّان القويّتان تمنح التمثال جودة فنية استثنائية. ويتيح الموضع الحالي لأبي الهول، في حديقة المتحف المفتوحة، تأمّله عن قرب وتقدير تفاصيله النحتية.

لُقى مهمّة أخرى

تحتضن حديقة المتحف لُقى أخرى عديدة بالغة الأهمّية. فالتماثيل من عصور شتّى، من تماثيل الدولة القديمة إلى العصر البطلمي، مصفوفة على طول الممرّات المظلّلة بالنخيل. ومن أبرزها شظايا أعمدة معبد بتاح، واللوحات النذرية بنقوش هيروغليفية، وموائد القرابين التي تشهد على استمرار العبادة الدينية الطويل في المدينة.

وتُعرَض مائدة تحنيط كبيرة من المرمر، استُعملت لتجهيز مومياوات ثيران أبيس، في موضع بارز، وتقدّم شاهدًا ملموسًا على الطقوس الجنائزية المُمارَسة في ممفيس. وتُكمل المجموعةَ عدّةُ توابيت من الجرانيت، وإن كانت أقلّ إبهارًا من توابيت السرابيوم، وتوثّق الممارسات الجنائزية لنبلاء ممفيس.

إرث ممفيس

التأثير في الحضارة المصرية

يصعب المبالغة في أهمّية ممفيس في تاريخ الحضارة المصرية. فلأكثر من ثلاثة آلاف عام كانت المدينة مركز العصب للحياة السياسية والدينية والثقافية في مصر. فمن ممفيس انطلقت الحملات العسكرية، وفيها تلاقت الجزايا والبضائع من البلاد كلّها ومن الخارج، وفي معابدها ومدارسها تكوّنت النخبة الإدارية والدينية التي حكمت الأمّة.

ومثّل لاهوت ممفيس، ببتاح إلهًا خالقًا، أحد أكثر التقاليد الدينية رقيًّا في مصر القديمة، فأثّر في الفكر الديني لا المصري فحسب بل المتوسطي المتأخّر أيضًا. ومفهوم الخلق بالكلمة الإلهية، الذي صاغه كهنة ممفيس، يقدّم تشابهات مدهشة مع تقاليد دينية لاحقة، ويشهد على العمق الفكري الذي بلغته حضارة ممفيس.

ممفيس ومفهوم التراث

تاريخ ممفيس أيضًا تحذير من هشاشة التراث الثقافي. فإحدى أعظم مدن العالم القديم اختفت اليوم تقريبًا بالكامل، ضحيةً لا للكوارث الطبيعية بقدر ما لسلب موادها الإنشائية المنهجي عبر القرون. فحجارة المعابد الفرعونية التي بُنيت بعمل آلاف العمّال أُعيد استعمالها لمبانٍ اختفت هي الأخرى غالبًا، في دورة من الهدم والبناء محت تقريبًا كل أثر مرئي للعاصمة القديمة.

نصائح للزيارة

كيفية الوصول

يقع موقع ممفيس في قرية ميت رهينة، ويمكن بلوغه من القاهرة في نحو 30-40 دقيقة بالسيارة. وتُجمَع الزيارة عادةً مع زيارة جبّانتي سقّارة ودهشور القريبتين، فتنشأ جولة ليوم كامل تغطّي بعضًا من أهمّ مواقع مصر القديمة خارج الجيزة. ويُنصَح بزيارة ممفيس محطّةً أولى أو أخيرة في الجولة، نظرًا لقصر مدّة الزيارة نسبيًا.

ما الذي تتوقّعه

تتطلّب زيارة موقع ممفيس عمومًا ساعة أو ساعتين. والمتحف المفتوح محدود الأبعاد ويمكن استكشافه دون عجلة. والمبنى المسقوف الذي يحتضن تمثال رمسيس الثاني الهائل نقطة انطلاق مثالية، تليها نزهة في الحديقة لتأمّل أبي الهول المرمري وسائر اللُّقى. ويتوفّر مرشدون محلّيون عند المدخل قادرون على إثراء التجربة كثيرًا بمعلومات تاريخية وطرائف.

توصيات عملية

الموقع مفتوح ويقدّم ظلًّا قليلًا، لذا يُنصَح بقبّعة وواقٍ شمسي وماء وافر، خاصة في الأشهر الحارّة. والحذاء المريح يكفي لقطع ممرّات المتحف. والتصوير مسموح في كل مكان، بمقابل إضافي لاستعمال كاميرات الفيديو الاحترافية. وتتوفّر دورات المياه عند مدخل الموقع.

زيارة ممفيس اليوم تتطلّب جهدًا من الخيال: فالبقايا القليلة المرئية لا تنصف عظمة المدينة التي كانت. ومع ذلك، فإنّ هذا التباين بالذات بين تواضع الأطلال وبهاء التاريخ يمنح الموقع سحرًا خاصًا، يدعو الزائر إلى التأمّل في زوال الأعمال البشرية وفي قوّة الزمن التي لا تُوقَف. كانت ممفيس مهد الحضارة المصرية، وحتى في أكثر بقاياها تشظّيًا، تظلّ تلك العظمة الأصلية تتلألأ لمن يُحسن النظر إلى ما وراء السطح.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب