تمثال رمسيس الثاني في ممفيس: عملاق بين الرمال
في قلب متحف ميت رهينة الصغير، موقع ممفيس القديم، يرقد أحد أكثر روائع النحت الضخم المصري إبهارًا: تمثال رمسيس الثاني الهائل. هذا التمثال الجيري العملاق، الذي يبلغ طوله نحو 10 أمتار في شكله الحالي وكان أصلًا بارتفاع نحو 13 مترًا حين كان منتصبًا، يمثّل الفرعون العظيم من الأسرة التاسعة عشرة في كامل جلاله الإلهي. اكتشفه عام 1820 الرحّالة الإيطالي جيوفاني باتيستا كافيليا، ويُعرَض التمثال اليوم في وضع أفقي داخل مبنى شُيّد خصّيصًا لصونه، ويشكّل المعلم الرئيسي لموقع ممفيس الأثري.
كان رمسيس الثاني، المعروف أيضًا برمسيس الأكبر، أحد أقوى فراعنة التاريخ المصري وأشهرهم. واتّسم حكمه، الذي دام نحو 66 عامًا (1279-1213 قبل الميلاد)، بنشاط بنائي غير مسبوق، وبحملات عسكرية في أنحاء الشرق الأدنى، وبسياسة تمجيد ذاتي منهجية. وأُقيمت تماثيل هائلة على صورته في كل أنحاء مصر، من أبو سمبل إلى الأقصر، ومن تانيس إلى ممفيس، لكنّ تمثال ممفيس الهائل يبقى أحد أرقاها وأفضلها حفظًا.
اكتشاف التمثال وتاريخه
كشف كافيليا
اكتشف جيوفاني باتيستا كافيليا، الرحّالة والأثري الجنوي الناشط في مصر في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، التمثال عام 1820 خلال حفائر في منطقة معبد بتاح بممفيس. كان التمثال يرقد مقلوبًا في الوحل، مدفونًا جزئيًا تحت فيضانات النيل اللاحقة. وكانت حالة حفظه جيدة على نحو استثنائي، محميًّا كما كان بطبقة الطمي التي غطّته قرونًا.
اجتذب الاكتشاف فورًا انتباه العالم الأكاديمي الأوروبي. وعرض محمد علي باشا، حاكم مصر آنذاك، التمثال على المتحف البريطاني، لكنّ المؤسّسة اللندنية رفضت العرض بسبب صعوبات نقل كتلة صخرية واحدة بهذه الأبعاد وتكاليفه الباهظة. وتبيّن لاحقًا أن هذا القرار، المُملى على الأرجح باعتبارات عملية، كان موفّقًا: فبقي التمثال في مصر، حيث صار أحد أقوى رموز التراث الثقافي للأمّة.
مسألة الموضع الأصلي
كان التمثال ينتصب أصلًا على الأرجح عند مدخل معبد بتاح الكبير، إله ممفيس الرئيسي. ويبقى الموضع الدقيق محلّ نقاش، لكنّ الأبعاد الهائلة وجودة الصنعة تشيران إلى أنه وُضع في نقطة رؤية قصوى، ربما يحفّه تمثال توأم. وجعل كسر الساقين تحت الركبتين، الناجم على الأرجح عن زلزال أو هبوط في الأرض، إعادة التمثال إلى وضع منتصب مستحيلة، فتقرّر بالتالي عرضه أفقيًا.
من المتحف المؤقّت إلى المقرّ الحالي
في القرن العشرين، شُيّد مبنى خاصّ لاحتضان التمثال وحمايته. ويتيح البناء الحالي للزوّار تأمّل التمثال من مستوى الأرض، إلى جانب التمثال نفسه، ومن شُرفة مرتفعة تقدّم نظرة علوية للمنحوتة كلّها معًا. وهذا المنظور المزدوج أساسي لتقدير التفاصيل القريبة للصنعة والنسب الهائلة للعمل في آن.
تحليل فني وتقني
الأبعاد والمادة
نُحت تمثال ممفيس الهائل من كتلة واحدة من الحجر الجيري الناعم، مادة أتاحت للنحّاتين بلوغ مستوى تفصيل استثنائي، وإن كانت أقلّ قيمة من الجرانيت الوردي المستعمل لتماثيل رمسيس الثاني الهائلة الأخرى. ويبلغ طول التمثال في شكله الحالي نحو 10.3 أمتار. وباعتبار الساقين المفقودتين، يُقدَّر الارتفاع الأصلي بنحو 13 مترًا، ما يجعل هذا العملاق أحد أكبر أمثلة النحت الضخم في مصر القديمة.
يُقدَّر وزن التمثال بنحو 83 طنًا، كتلة تطرح تساؤلات عن التقنية المستعملة لنقله من محاجر الحجر الجيري إلى موقع المعبد. وعلى الأرجح استُخرجت كتلة الحجر من محاجر طُرة، الواقعة على الضفّة الشرقية للنيل قبالة ممفيس، ونُقلت عبر النهر بصنادل كبيرة. وأُنجزت المنحوتة شبه أكيد في الموقع، إذ شغل النحّاتون الكتلة الخام مباشرة في موضعها النهائي.
البراعة النحتية
أبرز ما في تمثال ممفيس الهائل جودة الصنعة الاستثنائية. فوجه الفرعون منحوتٌ بمهارة تبلغ مستويات الكمال الفني الحقّ. والملامح مثاليّة وفق قوانين النحت الرعمسيسي: جبهة عالية هادئة، وعينان لوزيّتان غائرتان قليلًا تحت حاجبين مقوّسين، وأنف مستقيم متناسب، وشفتان ممتلئتان تُلمحان الابتسامة اللغزية الشهيرة في صور رمسيس الثاني، وذقن قوي مربّع ينقل السلطة والعزم.
وغطاء الرأس النمس، غطاء الرأس الملكي المخطّط الأيقوني، مُصوّر بعناية مذهلة بالتفاصيل: ثنيات القماش مشكّلة بدقّة، والأشرطة المتعاقبة مميَّزة بوضوح. وعلى الجبهة، تبرز حيّة الكوبرا (الأوريوس)، رمز السلطة الملكية والحماية الإلهية، بواقعية نحتية. أمّا التاج المزدوج لمصر العليا والسفلى الذي كان على الأرجح يعلو غطاء الرأس فقد فُقد.
ويكشف جذع التمثال براعة تشريحية لافتة. فالعضلتان الصدريتان عريضتان قويّتان، والذراعان العضليّتان تضمّان إلى الصدر غرضًا طقسيًا، وحزام النقبة الملكية مزخرف بالخرطوش الحاوي اسم رمسيس الثاني، منقوشًا بدقّة بالغة. والحزام نفسه رائعة من نقش مصغّر مطبَّق على مقياس هائل: الهيروغليفيات صغيرة لكن مقروءة تمامًا، وزخارف القماش مُصوّرة بدقّة تكاد تكون هوسيّة.
النقوش
تقدّم النقوش الهيروغليفية الموجودة على التمثال معلومات ثمينة عن هويّة الفرعون وألقابه. فالخرطوش الرئيسي يحوي اسم الميلاد «رمسيس، محبوب آمون» واسم العرش «وسر-ماعت-رع، مختار رع». وعلى طول الجانبين وعلى قاعدة التمثال، تُعدّد نقوش إضافية الألقاب الملكية والنعوت الإلهية للفرعون، مؤكّدةً دوره وسيطًا بين عالم الآلهة وعالم البشر.
رمسيس الثاني: فرعون الأرقام القياسية
حكم استثنائي
لفهم معنى تمثال ممفيس الهائل فهمًا كاملًا، لا بدّ من معرفة شخصية رمسيس الثاني التاريخية. اعتلى العرش نحو سنّ الخامسة والعشرين، وحكم مصر أكثر من ستّة عقود، حقبة عرفت فيها البلاد عصرًا من الازدهار والتوسّع والنشاط البنائي المحموم. وقاد رمسيس الثاني حملات عسكرية في النوبة وليبيا والشام، ومعركته ضدّ الحثّيين عند قادش سنة 1274 قبل الميلاد من أفضل المعارك القديمة توثيقًا.
لكنّ رمسيس الثاني ترك أعمق أثره بصفته بانيًا قبل كل شيء. فمعابد أبو سمبل، والرامسيوم بطيبة، وإضافات معبد الكرنك ومعبد الأقصر، ومعبد أبيدوس، وآثار لا تُحصى في كل أنحاء مصر تحمل اسمه. ويُقدَّر أن رمسيس الثاني كلّف بتماثيل وآثار أكثر من أي فرعون آخر، وتمثال ممفيس الهائل من أنجح هذا الإنتاج الفني الواسع.
الإرث في النحت الضخم
لم يولد تقليد التماثيل الهائلة مع رمسيس الثاني، لكنّه بلغ أوجه في عهده. ولم تكن الأبعاد الاستثنائية مدفوعة بغرور الملك فحسب، بل كان لها معنى ديني وسياسي عميق. فالتماثيل الهائلة كانت تجعل القدرة الإلهية للفرعون مرئية ملموسة، وتعمل وسائطَ بين العالم الأرضي والسماوي. وبالنسبة للشعب المصري، لم تكن هذه التماثيل تمثيلات بسيطة للملك، بل أوعية حقيقية لجوهره الإلهي، أغراضَ عبادة تُوجَّه إليها الصلوات والقرابين.
وتكشف المقارنة بين تمثال ممفيس الهائل وسائر تماثيل رمسيس الثاني المنتشرة في كل أنحاء مصر فروقًا أسلوبية مثيرة. فيتميّز تمثال ممفيس بنعومة ورقّة في الملامح تميّزانه عن النسخ الأكثر تخطيطية وصرامة الموجودة في مواقع أخرى. وقد يعود هذا الفرق إلى المادة المستعملة، الحجر الجيري الناعم الذي أتاح صنعة أكثر تفصيلًا مقارنة بالجرانيت الصلب، لكنّه قد يعكس أيضًا يدَ ورشة نحتية بارعة على نحو خاصّ كانت ناشطة في ممفيس.
تجربة الزيارة
لقاء قريب مع التاريخ
زيارة تمثال رمسيس الثاني الهائل تجربة عاطفية مكثّفة. فعند دخول مبنى المتحف، يجد الزائر نفسه فورًا أمام التمثال الذي تشغل كتلته المبهرة الفضاء كلّه تقريبًا. والقرب الجسدي من المنحوتة، المتاح بفضل ترتيب مسار الزيارة، يتيح ملاحظة تفاصيل كانت لتكون خفيّة لو انتصب التمثال على ارتفاعه الأصلي: عروق الحجر الجيري، وآثار أدوات النحّاتين، ودقائق تعبير الوجه.
وتقدّم الشُّرفة المرتفعة منظورًا مختلفًا تمامًا. فمن الأعلى، يُقدَّر تناظر التمثال، وانسجام النسب، والبراعة التي صوّر بها النحّاتون الجسد البشري على مقياس هائل. والتباين بين الرؤية القريبة من الأسفل والبانوراما من الأعلى يُثري التجربة ويتيح فهمًا أكمل للعمل.
الصلة بتمثال القاهرة
من الطريف أن التمثال التوأم الأصلي لهذا العملاق، المكتشف في الموقع نفسه، نُقل إلى القاهرة عام 1955 ووُضع في الميدان أمام محطّة السكك الحديدية الرئيسية، حيث صار أحد أكثر رموز العاصمة المصرية تمييزًا. وفي عام 2006، حمايةً له من التلوّث واهتزازات المرور، نُقل إلى المتحف المصري الكبير بالجيزة. وتوضّح قصّة هذين التمثالين التوأمين فلسفات الصون المختلفة التي ميّزت إدارة التراث الأثري المصري.
نصائح للزيارة
كيفية التنظيم
زيارة تمثال رمسيس الثاني الهائل جزء لا يتجزّأ من زيارة موقع ممفيس ولا تتطلّب تذكرة منفصلة. ويُنصَح بتكريس نصف ساعة على الأقلّ للتمثال، مع أخذ الوقت اللازم لتأمّله من المنظورين ولقراءة المعلومات المعروضة داخل المتحف. وإكمال الزيارة باستكشاف الحديقة الخارجية حيث يوجد أبو الهول المرمري وسائر اللُّقى يكمّل تجربة الموقع.
اقتراحات تصويرية
لتصوير العملاق على نحو فعّال، يُنصَح بعدسات واسعة الزاوية لالتقاط التمثال كلّه من الفضاء المحدود للمبنى. ويدخل الضوء الطبيعي من الأعلى عبر نوافذ سقفية، فيخلق إضاءة ناعمة منتظمة مثالية للتصوير. ومن الشُّرفة العلوية، تكون الصور من الأعلى فعّالة خاصة في إظهار التمثال بكامله. ولا يُنصَح بالفلاش كي لا يُزعِج الزوّار الآخرين وللحصول على نتائج أكثر طبيعية.
تأمّلات ختامية
تمثال رمسيس الثاني الهائل في ممفيس أكثر بكثير من تمثال: إنه جسر مباشر بين زمننا والعصر الذهبي للحضارة المصرية. وبتأمّل ملامح الفرعون العظيم الهادئة القويّة، المنحوتة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام بأيدٍ خبيرة في الحجر الجيري لوادي النيل، لا يسع الزائر إلّا أن يتأمّل عظمة حضارة عرفت كيف تحوّل الحجر الخام إلى تعبير سامٍ عن الفنّ والقوّة والروحانية. وفي هدوء متحف ميت رهينة الصغير، بعيدًا عن صخب المعالم السياحية الكبرى، يظلّ تمثال رمسيس الهائل يشعّ الجلال نفسه الذي جسّده حين كان يسهر على مدخل معبد بتاح في ممفيس العظيمة.