نقوش مرسومة داخل مقبرة سيتي الأول في وادي الملوك
مقبرة 🏆 تراث اليونسكو 4.8/5

مقبرة سيتي الأول

المقبرة KV17 في وادي الملوك هي الأطول والأعمق في كامل الجبانة الملكية، تشتهر بنقوشها المرسومة ذات الرقي الاستثنائي وسقفها الفلكي.

مقبرة سيتي الأول: تحفة وادي الملوك

مقبرة سيتي الأول، المُصنَّفة باسم KV17، تُعتبر بالإجماع الأجمل والأكثر إبهارًا في كامل وادي الملوك. اكتُشِفت عام 1817 على يد المغامر الإيطالي جيوفاني باتيستا بلزوني، وتمثل هذه المقبرة الملكية الاستثنائية القمة المطلقة للفن الجنائزي المصري في الدولة الحديثة. بطولها البالغ 137 مترًا وعمق يصل إلى 40 مترًا تحت السطح، هي أيضًا أطول وأعمق مقبرة في كامل الجبانة الطيبية.

الفرعون سيتي الأول، ثاني حكام الأسرة التاسعة عشرة، حكم من حوالي 1294 إلى 1279 قبل الميلاد، خلال فترة من النهضة السياسية والفنية لمصر. كان سيتي الأول، والد رمسيس الثاني الشهير، قائدًا عسكريًا ماهرًا وراعيًا عظيمًا للفنون، وهي صفات تنعكس بروعة في مسكنه الأبدي.

اكتشاف بلزوني

المغامر الإيطالي

كان جيوفاني باتيستا بلزوني شخصية استثنائية: وُلِد في بادوفا عام 1778، وكان فنان سيرك سابقًا ومهندسًا هيدروليكيًا أعاد اختراع نفسه كمستكشف وجامع للآثار في مصر. في 16 أكتوبر 1817، خلال أبحاثه في وادي الملوك، اكتشف بلزوني مدخل مقبرة كانت ستغيّر إلى الأبد فهمنا للفن المصري.

عند دخوله المقبرة، ظل بلزوني مذهولًا من روعة الزخارف. على عكس العديد من مقابر الوادي الأخرى، لم تكن نقوش KV17 مرسومة ببساطة على الصخر، بل منحوتة بنقش بارز منخفض ثم مرسومة بألوان زاهية جدًا. وصف بلزوني المقبرة بأنها «الأكبر والأبهى» التي رآها على الإطلاق، حكم لا يزال الباحثون المعاصرون يشاركونه.

عواقب الاكتشاف

للأسف، كانت أساليب بلزوني هي أساليب عصره: لتوثيق الزخارف، صنع قوالب من الشمع أتلفت بشكل لا رجعة فيه بعض الأسطح. علاوة على ذلك، أخذ من المقبرة التابوت الرائع للفرعون المصنوع من المرمر الشفاف، الموجود اليوم في متحف السير جون سون في لندن، حيث يشكل واحدة من أثمن قطع المجموعة. هذا الانتزاع، رغم اعتباره مشروعًا في ذلك الوقت، يحرم اليوم زوار المقبرة من أحد أكثر عناصرها إيحاءً.

عمارة المقبرة

مسار نازل في باطن الأرض

تتبع مقبرة سيتي الأول مسارًا طويلًا ومفصلًا ينحدر تدريجيًا في الصخر الجيري للجبل الطيبي. ينفتح المدخل على الجدار الصخري للوادي ويقود إلى سلسلة من الممرات النازلة والسلالم والردهات والقاعات التي تتعاقب على مدى أكثر من 137 مترًا قبل الوصول إلى الحجرة الجنائزية الرئيسية.

يعكس المشروع المعماري للمقبرة تصورًا دينيًا دقيقًا: المسار النازل يرمز إلى رحلة الشمس عبر العالم السفلي خلال الساعات الاثنتي عشرة لليل، من الموت عند الغروب حتى الولادة الجديدة عند الفجر. كل قاعة وكل ممر يقابل مرحلة من هذه الرحلة الكونية.

القاعات الرئيسية

تضم المقبرة بيئات عديدة، كل منها بوظيفة محددة في الطقس الجنائزي المعقد. الممر الأول مزخرف بمشاهد مستمدة من ابتهالات رع، نص ديني يطابق الفرعون المتوفى بإله الشمس. تقدم الممرات اللاحقة مشاهد من الأمدوات، أهم نص جنائزي في الدولة الحديثة، الذي يصف الرحلة الليلية للشمس عبر المناطق الاثنتي عشرة للآخرة.

قاعة البئر، المتميزة بحفر عميق في الأرضية مخصص أصلًا لحماية المقبرة من الفيضانات واللصوص، مزخرفة بمشاهد تُظهر الفرعون أمام آلهة مختلفة. خلف البئر توجد قاعة الأعمدة، بيئة واسعة ومزخرفة بروعة قد تكون أدت وظيفة حجرة جنائزية زائفة لخداع لصوص المقابر.

الزخارف الجدارية

كتاب البوابات

إحدى أكثر سمات مقبرة سيتي الأول استثنائية هي وجود كتاب البوابات، أحد أهم النصوص الجنائزية في مصر القديمة. يصف هذا النص رحلة الشمس عبر اثنتي عشرة بوابة تحرسها ثعابين وآلهة حارسة، ممثلة الساعات الاثنتي عشرة لليل. المشاهد منحوتة بدقة ورقة لا مثيل لهما في أي مقبرة أخرى في الوادي.

كل بوابة يترأسها ثعبان نافث للنار وآلهة حامية يجب على المتوفى تجاوزها بتلاوة الصيغ السحرية المناسبة. تُظهر التمثيلات أيضًا محاكمة الموتى، بمشاهد أرواح مباركة وأرواح ملعونة، مستبقةً بآلاف السنين المفهوم المسيحي للدينونة الأخيرة.

الأمدوات

الأمدوات، حرفيًا «ما هو في الآخرة»، مُمثَّل باكتمال استثنائي في مقبرة سيتي الأول. يصف هذا النص الساعات الاثنتي عشرة لليل التي يسافر إله الشمس عبرها في العالم السفلي على قاربه المقدس. في كل ساعة، تلتقي الشمس بآلهة وشياطين وأرواح موتى، وتتجاوز أخطارًا وتقاتل الثعبان أبوفيس، رمز الفوضى والدمار.

مشاهد الأمدوات في مقبرة سيتي الأول مرسومة بثراء من التفاصيل وحيوية لونية تخطف الأنفاس. الأشكال الإلهية مُمثَّلة برشاقة وأناقة تعكسان الذوق الرفيع للفن الرعمسيسي في ذروته.

السقف الفلكي

تحتضن الحجرة الجنائزية للمقبرة أحد أشهر الأسقف الفلكية في مصر القديمة. مرسومًا بالأزرق الداكن بنجوم ذهبية، يمثل السقف أبراج السماء الشمالية والجنوبية، والديكانات (تقسيمات سماء الليل المستخدمة لقياس الوقت)، والأشكال الإلهية المرتبطة بالأجرام السماوية.

هذا السقف الفلكي ليس زخرفيًا ببساطة: إنه يمثل التصور المصري للكون والدورة الكونية للموت والولادة الجديدة. جسد الإلهة نوت، إلهة السماء، يقوّس جسدها المرصّع بالنجوم فوق الحجرة، مبتلعًا الشمس عند الغروب وواضعًا إياها عند الفجر، في دورة أبدية من التجدد مدعو الفرعون المتوفى لمشاركتها.

تابوت المرمر

تحفة من الحرفية المصرية

كان تابوت سيتي الأول عملًا فنيًا فريدًا: منحوتًا من كتلة واحدة من المرمر الكلسيتي الشفاف القادم من محاجر حتنوب، كان طوله أكثر من 2.8 متر ومزخرفًا بنصوص كتاب البوابات المحفورة والمملوءة بعجينة زرقاء. عندما كان يُوضَع ضوء في الداخل، كان التابوت يضيء من الداخل، مكوّنًا تأثيرًا من الإشراق الخارق كان من المفترض أن يرمز إلى التحول الإلهي للفرعون.

الرحلة إلى لندن

نقل بلزوني التابوت إلى إنجلترا عام 1821، حيث حاول بيعه للمتحف البريطاني. رفض المتحف الشراء، معتبرًا سعر 2000 جنيه مفرطًا. اشتراه المعماري السير جون سون بدلًا من ذلك لمجموعته الخاصة، ولا يزال التابوت معروضًا حتى اليوم في سرداب متحف السير جون سون في لينكولنز إن فيلدز، لندن، حيث يمكن للزوار إعجابه مجانًا.

قاعة الأعمدة

بيئة ذات جمال نادر

قاعة الأعمدة هي إحدى أكثر بيئات المقبرة إثارة للإعجاب. ستة أعمدة ضخمة تدعم السقف، وكل وجه من كل عمود مزخرف بمشاهد تمثل الفرعون أمام آلهة مختلفة. جودة النقوش استثنائية: الأشكال منحوتة بنقش بارز منخفض دقيق جدًا ومرسومة بطيف لوني يضم درجات الأزرق والأحمر والأصفر والأخضر والأبيض على خلفية ذهبية.

تُظهر المشاهد سيتي الأول مستقبَلًا من قبل الآلهة الرئيسية للبانثيون المصري: أوزيريس وإيزيس وحورس وحتحور وأنوبيس وكثيرين آخرين. الفرعون مُمثَّل بكرامة ملكية وجمال مثالي يعكسان التصور المصري للحاكم كوسيط بين العالم الإنساني والإلهي.

حالة الحفظ والترميم

تحديات الحفظ

تعرضت مقبرة سيتي الأول لأضرار كبيرة على مر القرون. الفيضانات التي سببتها الأمطار النادرة لكن الكثيفة في الوادي رسّبت رواسب وأملاحًا معدنية على الزخارف. الرطوبة التي جلبها الزوار ساهمت في نمو العفن وتدهور الأصباغ. القوالب التي صنعها بلزوني ومستكشفون آخرون في القرن التاسع عشر أتلفت بعض الأسطح الأكثر حساسية.

في العقود الأخيرة، حملات ترميم نسّقها المجلس الأعلى للآثار المصري ومؤسسات دولية استقرّت بظروف المقبرة. تم تقييد الوصول وتنظيمه لتقليل تأثير السياحة، وتم تركيب أنظمة تهوية ومراقبة بيئية للتحكم في الرطوبة ودرجة الحرارة.

مشروع فاكتوم آرتي

كما هو الحال بالنسبة لمقبرة توت عنخ آمون، أنجزت منظمة فاكتوم آرتي مسوحات ثلاثية الأبعاد عالية الدقة جدًا لكامل مقبرة سيتي الأول، مكوّنة أرشيفًا رقميًا كاملًا للزخارف. يسمح هذا المشروع ليس فقط بالحفظ الافتراضي للمقبرة، بل أيضًا بإنشاء نسخ طبق الأصل يمكن أن تحل محل زيارة المقبرة الأصلية في فترات الإغلاق للترميم.

نصائح للزيارة

معلومات عملية

تتطلب مقبرة سيتي الأول تذكرة خاصة، منفصلة عن التذكرة العامة لوادي الملوك، بسبب الهشاشة الشديدة لزخارفها. التكلفة أعلى بكثير مقارنة بالمقابر الأخرى، لكن التجربة لا تُقدَّر بثمن على الإطلاق. عدد الزوار اليومي محدود بشدة.

كيفية الاستعداد

تتطلب زيارة المقبرة النزول عبر ممرات شديدة الانحدار وضيقة لأكثر من 100 متر. ارتدِ أحذية مريحة بنعل مضاد للانزلاق وأحضر مصباحًا يدويًا صغيرًا لتقدير تفاصيل النقوش في المناطق الأقل إضاءة بشكل أفضل. درجة الحرارة الداخلية مرتفعة والهواء قد يكون رطبًا: الزيارة غير منصوح بها لمن يعانون من رهاب الأماكن المغلقة أو مشاكل تنفسية.

الجمع مع زيارات أخرى

يُنصَح بزيارة مقبرة سيتي الأول مع مقبرتي توت عنخ آمون ورمسيس السادس للحصول على نظرة شاملة لتطور الفن الجنائزي في وادي الملوك. المعبد الجنائزي لسيتي الأول في القرنة، على نفس الضفة الغربية للأقصر، يقدم مكملًا مثاليًا لزيارة المقبرة، مُظهرًا جانبًا مختلفًا من فن عصر سيتي الأول.

الفترة المثالية

أفضل الظروف للزيارة من أكتوبر إلى أبريل. صِل مبكرًا إلى وادي الملوك لشراء التذكرة الخاصة قبل نفاد الأماكن المتاحة لليوم. ضوء الصباح الباكر هو أيضًا الأفضل لتقدير التفاصيل اللونية للزخارف في منطقة المدخل.

مقبرة سيتي الأول تجربة تتجاوز السياحة الثقافية البسيطة: إنها رحلة في فن وروحانية حضارة بلغت، قبل ثلاثة آلاف عام، قممًا من الجمال والكمال التقني لا تزال حتى اليوم تتركنا معجبين ومتأثرين.

معالم ذات صلة

تواصل معنا على واتساب