مقبرة توت عنخ آمون: الاكتشاف الذي غيّر تاريخ علم الآثار
تمثّل مقبرة توت عنخ آمون، المسجلة باسم KV62 في وادي الملوك، دون شك أشهر اكتشاف أثري في كل العصور. وتقع على الضفة الغربية للنيل بالأقصر، وقد أهدت هذه المقبرة الملكية الصغيرة للعالم كنزًا لا يُقدَّر بثمن وأشعلت خيال ملايين البشر في أنحاء الكوكب. ورغم أبعادها المتواضعة مقارنة بسائر المقابر الملكية في الوادي، صارت KV62 رمزًا لمصر القديمة نفسها وللسحر الأبدي الذي تمارسه هذه الحضارة على البشرية.
الفرعون الشاب توت عنخ آمون، الذي اعتلى العرش نحو عام 1332 ق.م في سن التاسعة تقريبًا، حكم نحو عقد ونيف خلال الأسرة الثامنة عشرة في الدولة الحديثة. وكانت أهميته التاريخية تُعدّ هامشية نسبيًا حتى جعله اكتشاف مقبرته السليمة أشهر فرعون في التاريخ.
اكتشاف هاوارد كارتر
سنوات البحث
قصة اكتشاف المقبرة حكاية آسرة من المثابرة والإصرار. فعالم الآثار البريطاني هاوارد كارتر، الممول من اللورد كارنارفون الثري، أمضى سنوات في تمشيط وادي الملوك بانتظام بحثًا عن مقبرة ظن كثيرون أنها غير موجودة. وبعد ست مواسم من الحفريات غير المثمرة، كان اللورد كارنارفون على وشك سحب دعمه المالي، لكن كارتر أقنعه بتمويل حملة أخيرة.
في 4 نوفمبر 1922، اكتشف حامل ماء شاب مصادفةً درجة منحوتة في الصخر تحت بقايا أكواخ عمال قديمة. أمر كارتر، وقلبه يخفق، بإخلاء المنطقة فكشف عن سلّم يؤدي إلى باب مختوم. وكانت الأختام الملكية سليمة: العلامة التي لا تخطئ على أن المقبرة لم تُنتهك على أيدي اللصوص.
«أشياء رائعة»
أرسل كارتر فورًا برقية إلى اللورد كارنارفون في إنجلترا: «أنجزتُ أخيرًا اكتشافًا رائعًا في الوادي. مقبرة رائعة بأختام سليمة. أعدت تغطيتها بانتظار وصولكم. تهانيّ.» وفي 26 نوفمبر 1922، وبحضور اللورد كارنارفون، فتح كارتر ثقبًا صغيرًا في الباب الداخلي للمقبرة، وعلى ضوء شمعة مرتعش حدّق في الداخل.
وحين سأله كارنارفون بفارغ الصبر «هل ترى شيئًا؟»، نطق كارتر بالكلمات التي ستدخل الأسطورة: «نعم، أشياء رائعة.» فما تراءى لعينيه كان ردهة مكتظة بأشياء مذهَّبة وتماثيل ومركبات حربية وأسرّة جنائزية وقطع لا تُحصى متراكمة في فوضى بديعة.
كنز لا يُقدَّر بثمن
احتوت المقبرة على نحو 5398 قطعة، وهو أثاث جنائزي من ثراء غير مسبوق. والقطعة الأشهر هي بلا منازع قناع الدفن المصنوع من الذهب الخالص لتوت عنخ آمون، الذي يزن أكثر من 11 كيلوغرامًا، والذي كان يغطي وجه مومياء الفرعون. وقد صُنع من الذهب النقي وزُيّن باللازورد والفيروز والعقيق والسبج، فصار هذا القناع أكثر أيقونات مصر القديمة تميّزًا.
تألّف تابوت الفرعون من ثلاثة توابيت بشرية الشكل متداخلة الواحد في الآخر كالدمى الروسية: الأولان من الخشب المذهَّب، والثالث من الذهب الخالص بأكمله، ويزن أكثر من 110 كيلوغرامات. وكان جسد الفرعون الشاب، المحنّط بمهارة فائقة، يرتدي أكثر من 150 حليّة وتميمة واقية.
بنية المقبرة
مقبرة صغيرة على نحو مفاجئ
بمقاييس وادي الملوك، تُعدّ مقبرة توت عنخ آمون صغيرة على نحو مفاجئ، إذ تتألف من أربع غرف فقط: الردهة، والملحق، وحجرة الدفن، وحجرة الكنز. وقد غذّت أبعادها المحدودة النظرية القائلة إن المقبرة خُصصت في الأصل لأحد موظفي البلاط ثم كُيّفت على عجل للفرعون الشاب الذي مات فجأة في نحو التاسعة عشرة من عمره.
وكانت الردهة، أول غرفة اكتُشفت، تبلغ نحو 8 × 3.6 أمتار وتحتوي على معظم القطع الجنائزية. فقد تكدّست فيها أسرّة احتفالية على هيئة حيوانات، ومركبات مفككة، وصناديق، وأوانٍ، وتماثيل حُرّاس في فضاء ضيق نسبيًا.
حجرة الدفن
حجرة الدفن هي الغرفة الوحيدة في المقبرة المزينة بالرسوم الجدارية. فجدرانها مغطاة بمشاهد تصوّر جنازة الفرعون، وطقس فتح الفم، والرحلة إلى العالم الآخر، واللقاء بالآلهة. والألوان الزاهية المحفوظة جيدًا تُظهر الفرعون مستقبَلًا من أوزير ونوت وآلهة أخرى من البانثيون المصري.
وما زالت داخل حجرة الدفن المقاصير الأربع المذهَّبة التي كانت تحيط في الأصل بالتابوت الحجري، مكوِّنةً بنية صناديق متداخلة بالغة التعقيد الطقسي. وكانت هذه المقاصير، التي يقارب ارتفاعها ثلاثة أمتار، مغطاة بنصوص دينية وصور إلهية.
حجرة الكنز
احتوت حجرة الكنز، التي يُوصل إليها من حجرة الدفن، على صندوق الأحشاء المرمري الذي ضمّ أحشاء الفرعون، المحفوظة بدورها في أربعة توابيت صغيرة من الذهب الخالص. وفي هذه الغرفة وُجد أيضًا تمثال أنوبيس الشهير، الإله ابن آوى حارس الموتى، مستلقيًا على مقصورة مذهَّبة، يحرس مدخل الحجرة.
لعنة الفرعون
ولادة الأسطورة
أطلقت وفاة اللورد كارنارفون في 5 أبريل 1923، بعد أشهر قليلة من فتح المقبرة، واحدة من أكثر أساطير الثقافة الشعبية رسوخًا: لعنة الفرعون. فقد توفي كارنارفون في القاهرة، ظاهريًا بسبب عدوى نجمت عن لسعة بعوضة تفاقمت بجرح أثناء الحلاقة. غير أن صحافة ذلك العصر، ولا سيما الـ Daily Express، غذّت سردية اللعنة الخارقة.
ويُروى أنه لحظة وفاة كارنارفون انطفأت أنوار القاهرة على نحو غامض، وأن كلبه في إنجلترا عوى ونفق في اللحظة ذاتها. وفي الأشهر والسنوات التالية، توفي عدد من أعضاء البعثة وزوار المقبرة في ظروف طبيعية إلى حد ما، مما غذّى الأسطورة أكثر.
الحقيقة العلمية
في الواقع، أثبتت دراسات وبائية أنه لم يكن هناك أي شذوذ إحصائي في معدلات الوفيات بين من دخلوا المقبرة. بل إن هاوارد كارتر نفسه، الرجل الأكثر تعرّضًا للعنة المزعومة من أي شخص آخر، عاش حتى عام 1939، وتوفي عن 64 عامًا. وكانت «اللعنة» إلى حد بعيد اختراعًا صحفيًا أسهم إسهامًا هائلًا في شهرة الاكتشاف وفي هوس المصريات الذي اجتاح العالم في العشرينيات.
الفرعون الطفل
الحياة والحكم
وُلد توت عنخ آمون على الأرجح نحو عام 1341 ق.م باسم توت عنخ آتون («الصورة الحية لآتون»). وكان ابن الفرعون المهرطق إخناتون، الذي حاول فرض العبادة الحصرية لإله الشمس آتون. وبعد وفاة إخناتون، اعتلى الأمير الصغير جدًا العرش، وبتوجيه من المستشارين القويين آي وحورمحب، أعاد العبادة التقليدية لآمون، مغيّرًا اسمه إلى توت عنخ آمون («الصورة الحية لآمون»).
اتسم حكمه باستعادة النظام التقليدي بعد فترة العمارنة المضطربة. وقد كشفت الدراسات على مومياءه أن الفرعون الشاب كان يعاني عدة أمراض، منها قدم حنفاء، والملاريا، وكسر في الساق ربما أسهم في وفاته المبكرة.
لغز لم يُحلّ
تظل ملابسات وفاة توت عنخ آمون موضع جدل. فقد كشفت أشعة سينية وأشعة مقطعية للمومياء عن شظية عظمية داخل الجمجمة، فُسّرت في البداية دليلًا على ضربة في الرأس، فغذّت نظريات القتل. غير أن تحليلات أحدث ترجّح أن الشظية انفصلت بعد الوفاة أثناء عملية التحنيط. وتشير النظرية الأكثر قبولًا اليوم إلى مزيج من الملاريا وعدوى العظام ومضاعفات مرتبطة بكسر عظم الفخذ.
النسخة المطابقة KV62
للحفاظ على المقبرة الأصلية من التآكل الناجم عن آلاف الزوار يوميًا، أُنجزت نسخة طبق الأصل أمينة لحجرة الدفن، تُعرف باسم KV62 Copy أو نسخة مقبرة توت عنخ آمون، وتقع قرب بيت هاوارد كارتر. وهذه النسخة، التي أنجزتها Factum Arte بتقنيات مسح ثلاثي الأبعاد فائقة الدقة، لا تكاد تُميَّز عن الأصل، وتمنح الزوار تجربة غامرة دون الإسهام في تدهور المقبرة الأصلية.
نصائح للزيارة
معلومات عملية
تقع مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، ويمكن الوصول إليها من الضفة الغربية للأقصر. ويتطلب الدخول تذكرة خاصة، منفصلة عن تذكرة وادي الملوك العامة، بسبب ارتفاع تكلفة الحفاظ على المقبرة. وعدد الزوار اليومي محدود لحماية الرسوم الجدارية الرقيقة.
كيفية تنظيم الزيارة
يُنصح بالوصول إلى وادي الملوك وقت الافتتاح، الساعة 6:00 صباحًا، لتفادي الزحام والحرارة الشديدة. وتستغرق زيارة المقبرة نحو 30 دقيقة، يمكن خلالها تأمل حجرة الدفن برسومها والتابوت الخارجي المصنوع من الكوارتزيت. ويُمنع التصوير داخل المقبرة.
ما يمكن توقعه
كثيرًا ما يُفاجأ الزوار بأبعاد المقبرة الصغيرة. فبعد تأمل عمليات إعادة البناء الفخمة في المتاحف والأفلام الوثائقية، قد يبدو واقع حيز جوفي صغير مخيّبًا للآمال. غير أن إدراك المرء أنه يقف في المكان نفسه الذي ظل فيه أشهر كنز في التاريخ مخبأً لأكثر من ثلاثة آلاف عام يضفي على التجربة انفعالًا فريدًا لا يوصف.
دمج الزيارة
يُنصح بدمج زيارة مقبرة توت عنخ آمون مع سائر مقابر وادي الملوك، ولا سيما مقبرتي سيتي الأول ورمسيس السادس، ومع معبد حتشبسوت القريب في الدير البحري. ويضم المتحف المصري الكبير في الجيزة اليوم المجموعة الكاملة لكنز توت عنخ آمون، بما في ذلك القناع الذهبي الشهير، مقدّمًا التكملة المثالية لزيارة المقبرة.
الفترة المُوصى بها
أفضل فترة لزيارة وادي الملوك تمتد من أكتوبر إلى أبريل، حين تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالًا. ففي أشهر الصيف، قد تتجاوز الحرارة في الوادي 45 درجة مئوية، مما يجعل الزيارة مرهقة للغاية. واحمل دائمًا ماءً وافرًا وواقيًا من الشمس وقبعة. والحذاء المغلق المريح لا غنى عنه للتنقل على أرض الوادي الصخرية المغبرة.
تمثّل مقبرة توت عنخ آمون ما هو أكثر بكثير من موقع أثري: فهي المكان الذي يلتقي فيه التاريخ بالأسطورة، حيث صار موت ملك شاب الرمز الخالد لإحدى أعظم الحضارات التي وُجدت على الأرض.